في الشخصية السودانية عموما و ما بعد عهد الانقاذ !
( كان الموقف زحمة، ركبت في حافلة...كان في حجة كبيرة كده واقفة قلت ليها ...أقعدي قعدت و أنا وقفت شماااعة.....السواق قال لي أنزل ما برفع شماعة....قلت ليهو ما بنزل.
الحاجة قالت لي أنزل ما تضيع و قتنا )
طرفة حائمة في الواتساب
سألت نفسى وأنا أصدر هذا المقال الطرفة أعلاه ...هل يمكن أن يبدأ مقال يتناول موضوعا جادا بمثل تلك الطرفة ؟!!....قلت لنفسي لا يهم، طالما حاولت هذه الطرفة على أن تعكس و توصل الى ذهن المجموعة ما وصل اليه واقع الحال فيما يخص السلوك الأخلاقي و القيمي في المجتمع و ما دام الأفراد هم، بشكل أو آخر مرآة للقيم السائدة و لمحيطهم الاجتماعي . بالطبع وارد أن تكون الطرفة غير حقيقة و المقصود فقط منها المزاح، و لكن حتى المزاح في أحيان كثيرة يخاطب و يعكس تضجرا من سلوك جانح و مستهجن في المجتمع.
ابتداءا و أنا أكتب هذا المقال تنتظم في ذهني عدة أشياء :
1- ان الدمار الذى أحدثته حكومة " الانقاذ " المتأسلمة ( الجبهة الإسلامية ) بالدولة و المجتمع السوداني كان دمارا شاملا و مقصودا، استهدف في الأساس البنية الاقتصادية و الثقافية الفكرية للمجتمع السوداني طوال ثلاثين عاما من الحكم المطلق أحادي الجانب.
الدمار الاقتصادي المادي ظهرت أثاره بعد سنوات قصيرة من بداية حكمهم، أما الدمار المعنوي و الأخلاقي المتراكم عبر السنوات، فقد بدأت أثاره تظهر مؤخرا قبل و بعد الإطاحة بنظامهم المهترئ.
2- في هذا المقال يتم تناول الثقافة بمفهومها العريض الذى يشمل المفاهيم و الافكار الرؤى و الاخلاق و التقاليد التي تنظم حياة المجتمع و المتأثرة و المتجددة على الدوام، بالمتغيرات الاقتصادية، الاجتماعية و السياسية.
3- الملاحظات و الخواطر التي اقوم بتسجيلها في هذا المقال توصلت اليها من خلال زياراتي المتعددة و المتكررة للسودان طيلة الأعوام الماضية، كما هي نتيجة لاهتمام خاص من جانبي يستهدف و يستنطق ،المتغيرات التي طرأت على الشخصية السودانية ابان سنوات حكم الجبهة الإسلامية للسودان. ( الأنقاذ )
4 - الخراب الممنهج الذى مارسته حكومة الأنقاذ و حلفائها من الإسلاميين والانتهازيين، شمل كل مدن السودان و قراها لذلك النماذج المذكورة في هذا المقال قد تجد لها شبيها أو رديفا في المجتمعات السودانية المختلفة و المتداخلة.
5 - الحروب التي أشعلتها سلطة الأنقاذ في أرجاء السودان المختلفة و الفظائع و الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها في مناطق الحروب خاصة اقليم دارفور، كان من نتائجها اهتراء نسيج كثير من المجتمعات و بالضرورة القيمي.
6- ابتعادا عن التعميم و تفاديا لعدم الوقوع في فخ ظلم بعض شرائح المنظومة الاجتماعية، يلاحظ أن هنالك فئات بعينها أنحصر فيها بشكل مكثف السلوك السالب داخل المجتمع و منها طفح و انتقلت عدواه و تسرب الى الشخصية السودانية...تلك الفئات هي :
أ- الفئات التي أرتبط نهوضها الاقتصادي و ثرائها الفاحش بمناهج " الأنقاذ " الفاسدة (الرأسمالية الطفيلية ).
ب- فقراء المدن الذين سحقتهم الحياة و ظلم الأنقاذ، و لم يجدوا طريقا للحياة و العيش غير التعامل بنفس منطق الانقاذ و سلوكها.
ج – فئات من الطبقة الوسطى التي عملت الرأسمالية الطفيلية على نسفها بإبعادهم تعسفيا عن الكسب العام و الخاص و محاربتهم في مصادر ارزاقهم.
د – أفواج من العاطلين خاملي المواهب و منعدمي الضمير و القيم، الذين استخدمتهم الأنقاذ لإدارة شئون الحكم.
2
مرتكز و منطلق أولى
هنالك عدد من الكتب و المقالات صدرت في فترات مختلفة من تاريخ السودان تناولت ملامح الشخصية السودانية و بمناهج متعددة.........استعرضت فيها الضوابط و القيم و المؤثرات و المفاهيم التي ساهمت في تشكيل السلوك الجمعي.
في اعتقادي أن أهم الكتب التي تناولت مكونات الشخصية السودانية هو كتاب محمد المكي ابراهيم ( الفكر السوداني أصوله و تطوره )، د محمد أبو سليم في كتابه ( في الشخصية السودانية ) و الاستاذ محمد عوض عبوش في كتابه ( قراءة في سجل الثقافة السودانية و خطابها النهضوي ) الذى قدم سردا تاريخيا لتطور القيم في الشخصية السودانية ودور الأعراف و التقاليد و الأديان في تشكيل تلك القيم و كذلك د أحمد عوض أحمد البشير في كتابه ( الدولة المدنية السودانية – تحدى الوعى و رهان التعليم ).
وفقا لاعتقادي و أنا أستعرض المتغيرات التي طالت الشخصية السودانية في زمن الأنقاذ، انه من التعسف و الصعب اعطاء تقييم دقيق للتغيير الذى حدث للشخصية السودانية شرقا، غربا و شمالا و سابقا جنوب السودان، لكن أزعم ان التغيير الذى حدث لإنسان وسط السودان يمكن أن يكون نموذجا مصغرا غير مكتمل الجوانب لما حدث في اماكن متباعدة في هذا البلد واسع الأرجاء.
تداعى مستو
يجد الباحث عند قراءته عما كتب في الشخصية السودانية أن هنالك أشياء متفق عليها بين الكتاب حول القيم التي تفرد بها الأنسان السوداني، بما في ذلك كتابات المستشرقين الأجانب الذين زاروا السودان في حقب تاريخية مختلفة. كتب الأستاذ عبوش عن ذلك التفرد الآتي
( ميل فطرى للوداعة و التسامح و الصفح عن الزلات و السخاء و الكرم و السلم و النزوع لقول الحق و الصدق و العدل ). وأضاف البعض، لتلك القيم ( التسامح الديني، التكافل و الروابط الاجتماعية، و من ثم الشجاعة ).
د أحمد عوض ذكر من القيم السمحة التي يتصف بها السودانى ( التعاون ، الشجاعة ، الكرامة ، الكرم ، نقاء الوجدان و الدواخل ، عزة النفس ، احترام الكبير و المرأة ).
د ابو سليم تحدث عن احترام السودانيين للتقاليد المتوارثة و التمسك بها.
د يوسف فضل تكلم عن دور التصوف المتفرد في نشر الدين الإسلامي لقرب المتصوفة من الواقع السوداني و مشاركة الناس في حياتهم الاجتماعية، و كما هو متفق عليه أيضا دور الأديان بشكل عام في تكوين الشخصية السودانية.
محمد المكي أبراهيم ( الفكر الاسلامى أصوله و تطوره ) كتب منتقدا الفكر الصوفي و تأثيره السلبى على الفرد السوداني (هو المسئول عن قلة احتفال الفكر السوداني بالبحث العلمي، هو المسئول عن ظاهرة قصر النفس الكتابي و الخطابي لدى أجيال السودانيين، و هو المسئول عن ظاهرة السذاجة العاطفية التي تتجلى في ضعف الأداة المنطقية و الميل الى تقرير الايمان بالرأي بدلا عن الأقناع به، كما أنه المسئول أيضا عن معظم مظاهر الحياة الأخلاقية كالقناعة و الزهد و العزوف عن طيبات العالم ...... و خلق لدى الفكر السوداني استعدادا رومانتيكيا و عاطفيا لم يتخلص منه حتى اللحظة سوى قليل من المفكرين السودانيين و بالذات الذين تلقوا دراسات غربية المصادر ).
أضاف الكاتب عبوش بأن من السلبيات الأخرى التي بذرها الفكر الصوفي في طريقة الحياة السودانية طبعه للعلاقات الاجتماعية بطابع الوساطة " الشفاعة " التي تفشت في عصر الفونج و انتقلت بعد ذلك كممارسة في الحياة العامة.
برغم أن مدارس التصوف الديني الإسلامي قد لعبت دورا مهما في انتشار الاسلام فى بقاع مختلفة من السودان لسلاسة طرحها، بعدها عن التعسف و نزوعها الى التسامح و الميل الى التصالح مع التقاليد و العادات السمحة، ألا انها من جانب آخر ساهمت في تطبيع الشخصية السودانية بعدم الرغبة في الطموح، التقليد و المحاكاة و النزوع الى القبول بالموجود، عزوفها من مباهج الحياة و انتماءها المعنوي الى ما بعد الحياة.
الكاتب أحمد عوص أحمد البشير كتب عن الشخصية السودانية بطريقة أكثر سفورا و تفصيلا و من ثم معددا للسلبيات و العقد التي يتسم بها الشخصية السودانية لذلك آثرت نقل رأيه كاملا في هذا المقال، و ذلك لا يعنى الاتفاق معه في كل ما أورده.
1- يعتقد أن العقد النفسية للغالبية من أبناء السودان هي الانتماء العربي الإسلامي و هو يرى ان المؤمنين بذلك الرأي قد اجتهدوا عبر التاريخ الربط بينهما رغم التباين الواضح بينهما، حيث العروبة سمة عرقية و الإسلامية دينية.
لكن ربطهما مع بعضهما البعض، شكل للشخصية وهما بالأفضلية و الاستحقاق و الجدارة من ناحية ( النقاء ) العرقي و الكمال ( الديني و الروحاني ) و بالتالي علو الكعب على الآخرين و أهمية استحواذ من يمتلكها على التميز و الأفضلية السياسية، الاجتماعية ، الاقتصادية و الثقافية.
2- تضخم الأنا و الاعتداد بالنفس لدرجة التطرف.
3- التحلي بروح القطيع و المسايرة لتوجهات الجماعة و القابلية للانقياد ( موت الجماعة عرس ).
4- القدرية التي تحاول إيجاد مبررات دينية أو خيالية غير منطقية لقضايا الواقع و مشكلاته.
5- التماهي مع المتسلط و التشبه به ،يقابله عدوانية تجاه الأقل مركزا طبقيا أو اجتماعيا أو عرقيا كتعويض عن التسلط و القهر الذى مورس عليه.
6- افتقار السوداني القدرة على التنظيم و احترام الوقت و الايجاز مع الضعف في مهارات التواصل.
7- الغيرة و الحسد غير المبرر و محاربة التفوق، الفجور في الخصومة ، المكابرة و غياب النقد الذاتي.
3
سلطة ( الأنقاذ ) المتأسلمة، كانت تعلم أن لا مكان لها في التربة السودانية لمنهجها ذو التوجه الأوحد و القائم على اقصاء الآخر في بلد متعدد الثقافات و الأعراق، غير اللجوء الى التغيير الراديكالي للشخصية السودانية و نسف القيم السائدة.
من الجانب الآخر فأن النهج الرأسمالي الطفيلي الذى عملت به الأنقاذ و عمقته، كان له منطقه الخاص و افرازاته و قيمه التي تتعارض عما عرف في المجتمع السوداني من قيم. استنادا على تلك الحيثيات و رغبة الأنقاذ في التغيير السريع، فقد قامت بتعين على عثمان محمد طه و هو أكثر اعضاءها تشددا و مغالاة لإدارة وزارة الشئون الاجتماعية التي وسع من اختصاصاتها لتشمل كل ما له علاقة ببناء المجتمع الثقافى. المنهج الذى اتبعته الأنقاذ للتغيير أشتمل على شيئين....العنف الثقافي الديني و العنف البدني مع الكذب المتواصل ( منهج نازي )، و الفتاوى الدينية التي تبرر لذلك.
الانفلات الطفيلي الرأسمالي في الاقتصاد و العنف الثقافي الديني في المجتمع، أدى الى بروز قيم جديدة تمجد و تتماشى مع المنهجيين، و تعمل بعنف و شراسة على وأد القديم من القيم و الأعراف و التقاليد السمحة.
نتيجة لكل لذلك فقد برزت و تمددت فى المجتمع، القيم التى تمجد اغتناء المال بشتى الطرق (خاصة غير القانوني و المتعارض مع الدين )، استشراء الفساد السرطاني بمختلف أشكاله، الكذب و النفاق ( تكسير التلج ) حتى صار الكذب جملة ثابته في الحديث اليومي المتداول بين الناس، تأصلت العنصرية و القبلية و أصبح التفاخر بها علنا في المجتمعات و الأعلام، اضمحلال التسامح واستفحال العنف المفرط غير المبرر، سيادة المظاهر الاستهلاكية الكاذبة " البوبار "، انتشار الدجل.. الشعوذة و الغش و الاحتيال، اندثار الكرم الذى هجمت عليه و تناوشته نبال الظروف الاقتصادية الشرسة فخنقته فبدأ في التلاشي رويدا رويدا، الاعتداء على أموال الدولة و أراضيها، الترهل الأخلاقي الذى " يقدل " في الشارع العام بلا حياء أو خشية من تقاليد أو قانون .
4
أدناه نماذج الصراع بين قيم " الدرداقات " الزاحفة و القيم الراسخة.....
1- الزيتونة
قال صديقى بأن أسرة تجاور منزلهم و تربط بينهم علاقة جيرة لعشرات السنين مرت بها ظروف صعبة بعد موت عائلهم الذى أحيل الى الصالح العام و تنقل بين مختلف المهن الهامشية لاعاشتهم. أضاف صديقى انه كان يرغب فى مساعدتهم بشتى الطرق لذلك عندما اتصل به صديقه الذى يعمل مديرا فى حدى الشركات شبه الحكومة و رغبتهم فى تعيين موظف بتخصص محدد ،و جدها فرصة لمساعدة الأسرة المنكوبة فقد كانت الأبنة الكبرى المتخرجه بامتياز تنطبق عليها كل المواصفات.أخبر صديقه أن لديه الشخص المطلوب و المؤهل و المحتاج لتلك الوظيفة.....طلب منه صديقه أن يحضر الأوراق. تصفح صديقه السيرة الذاتية للمتقدمة منبهرا بالنتائج و مادحا للتفوق، لكنه توقف فجأة و هو ينظر الى صورتها و قائلا " لكنها زيتونة "!!!... رفض الطلب.
2 - الموبايل
قال لي صديق أن أحد اقربائه قد قام بشراء تلفون ( أيفون ) الموديل الأخير، فى احدى المرات عندما كان يحاول تغيير ملابسه سقط التلفون بقوة على أرضية الغرفة ( السراميك ) و تدحرج بعيدا....وقف قريبه مندهشا و مرعوبا و هو يردد ( يا رب كسر فى النخاع الشوكي و لا شاشة " الايفون " )....... لم تنكسر شاشة الموبايل و لم ينكسر نخاعه الشوكي !
3- بائع الكتب القديمة
جلست أمامه افاصل فى ثمن الكتب التى قمت باختيارها،كان الوقت رمضان و حرارة الجو تقارب الخمسين درجة مئوية فوق الصفر،فجأة شعرت بهبوط و ضعف عام لاحظه البائع فى تغيير نبرات صوتى.سألنى عن الحاصل قلت له قد يكون انخفاض فى السكر فقد مرت ساعات طويلة لم أشرب مياه و أنا مصاب بمرض السكر.
قال لى سوف أذهب و أحضر مياه لك، عندما حاولت اعطاءه نقود رفض بحزم و لكن فى أدب، كنت أعرف انه سوف يذهب بعيدا لأنه لا يوجد مكان لبيع المياه الغازية فى شارع القصر مع الجمهورية محل عرض كتبه، و عليه الذهاب للسوق العربى.مكثت زهاء العشرين دقيقة حارسا لمكتبته حتى عودته، عندما شربت الماء استرديت عافيتى.....شكرته كثيرا و اعطيته ثمن الكتب دون أى مفاصلة.
4 – الحلو - مر
" العازة " تعيل أسرة مكونه من خمس أطفال بعد هروب زوجها لثقل المسئولية، تم تطليقها بواسطة محكمة الأسرة بسبب الهجر. " تداغش " الحياة دون هيبة أو رهبة ....تبيع الشاى ....السندوتشات لطلبة المدارس.....العشاء....الملابس القديمة.... و كل عمل شريف يعطى بناتها و أولادها السترة و يكفيهم مذلة السؤال.....كانت فى غاية الأستقامة و الجدية لذى اكتسبت احترام الجميع.
فى احد المرات كانت لديها مشكلة صغيرة تتعلق بعقارها المملوك على الشيوع مع جارها...فساعدت على حلها، لم تلكلفنى شيئا و قد قامت بشكرى وقتها.
قبل دخول رمضان بيوم أتت الى منزلنا و هى تحمل لفافة ...تركتها على المائدة و هى تغادر ذاكره انها حاجات بسيطة لرمضان. حاولت اقناعها بانى لست محتاجا لها لأنى ليس صائما لمرضى ، بالاضافة الى أن كل اشياء رمضان قد تم توفيرها فى المنزل.لم استطع اقناعها.....عند ذهابها فتحت اللفافة... وجدت كيسين احدهما ملئ ب ( الحلو - مر ) و الآخر ب ( الرقاق ) الشهي!
عدنان زاهر
نوفمبر 2026
هامش :
الدرداقة : عربة صغيرة كانت تستخدم فى السابق فى أماكن البناء لنقل المونة و الطوب.... قامت المحليات فى زمن " الانقاذ " بتأجيرها للموطنين بنظام يشابه " السخرة " لتستخدم فى نقل البضائع فى الأسواق و بيع الفواكه و الخضر !!
أواصل فى عرض نماذج من الصراع بين ثقافة " الدرداقات " و القيم الراسخة......

تعليقات