top of page
بحث

كلمة في حق السر بخيت يجب قولها !

Adnan Zahir
قبل دقيقة واحدة
3 دقيقة قراءة

 

 

عند حضوري للسودان أحد المرات كان قد صادف مرور عدة أسابيع على وفاة والدة السر بخيت ( يمه فاطمة )، عندما التقينا في دكان تاجر( شوقي يونس ) في سوق الموردة. سألني مباشرة هل مشيت لناس بيتهم لأداء الفاتحة، اجبته بالنفي لأنى حضرت أمس للسودان و أضفت ( من دربي ده أنا ماشي ليهم ).

كلام الراحل السر بخيت و تذكريه لي، كان يعكس عمق العلاقة الأخوية و الاسرية مع عائلته، و أقول الحق انه البيت الوحيد مع ( بيتين ) آخرين في فريق ( ريد ) أقوم بالدخول اليهما مباشرة للأسر، و لا انتظر السماح لي بالدخول، كما أفعل ب ( الظبط ) في منزلنا.

لقد قضيت معظم طفولتي معه و مع الراحل ابن خالتي الساخر الودود و لاعب كرة القدم الماهر أسامة محمود سالم لتقارب السن ، نصطاد الطير و السمك، نذهب للمولد و الامسيات الى السنيما الوطنية و امدرمان و أحيانا سينما العرضة ، نلعب ( الدافورى ) ونتسكع في شوارع الحى تحت الأعمدة او الجلوس في الريفيرا أيام فيضان النيل.

لعبنا كرة القدم في الميدان ( التحت ) قبل ان يصبح ( دار للفنانين )، مع فريق ( الازهار )  المنافس لفريق ( الأخوة ). كنا أحيانا تحصل بيني و بين السر مناكفات في السياسة التي لا يحبها كثيرا، حين نجتمع في ( دكة  ) و رفقة الراحلين الجنرال عوض أبوزيد و إبراهيم الماظ و لكن سرعان ما نتصافا و تعود المياه الى مجاريها. السر بخيت كان يمتاز بأربع أشياء لا خلاف حولها، تلك الصفات كانت السبب في علاقاته الواسعة و الممتدة ، و هي ، الكرم ، الاحتفاء بالحياة، الحفاظ على  "الخوة" و الشجاعة.

اريد رواية أن أروى قصة تجمع بين بعض من تلك الصفات، كنت معتقلا في أول أيام حكم المتأسلمين المسمى الإنقاذ في أحد ( بيوت الأشباح ) قرب ( سيتي بنك ) شارع المك نمر، لم يكن هذه المنزل معروفا لأحد في تلك الفترة.

 كانت تمارس في هذا المنزل كل صنوف التعذيب، ضرب ،تعليق في الاسقف ، منع النوم ، ضرب بالسياط و حتى القتل كما حدث مع الدكتور على فضل في احد تلك البيوت. كما لم يكن مسموحا لأحد زيارة و معرفة تلك البيوت ، و لم تكن أسرتي تعرف مكان اعتقالي في ذلك الوقت.

في أحد الأيام سمعت نداء لأسمى و انا معتقل، فتوقعت كالعادة نوبة من التعذيب الذى لا يتوقف، لكن عند مقابلتي الشخص المسئول عن بيت الاشباح ذكر لي و لدهشتي، ان لدى مقابلة و ان استعد لذلك. ذهبت معهم و أدخلت الى العربة بعد ضغط رقبتي و رأسي الى أسفل العربة حتى لا اشاهد الطريق ، و هم في العادة و للتمويه يتجولون بالعربة كثيرا في الخرطوم قبل الذهاب للمكان المراد الذهاب اليه.

 بعد ثلث ساعة أو أكثر و بعد تعبى الشديد محنى الرقبة ، وصلنا الى مكان عرفت انه القيادة العامة و امرت بالدخول الى مكتب، وجدت به السر بخيت جالسا. سلم على بالأحضان ثم ذكر لي انه احضر الى دواء القلب الذى كنت اتناوله و توقفت نتيجة للاعتقال و قد أحضره اليه شقيقي. قال لي و هو ينظر بحدة الى رجل الأمن الذى يشاركنا الوجود في الغرفة للاستماع و المراقبة ( قول أي حاجة دايرة اجيبها ليك من البيت ، ما تشتغل أي شغلة بالزول الواقف ده ) !!

شكرته على ذلك و انتهت الزيارة. و نحن في الطريق قال لي رجل الأمن و مسئول التعذيب بغضب ( زولك الطابور الخامس ده برضوا حنجيبوا ليك هنا عشان يقعد يتونس معاك ) !

كان رد فعله نتيجة متأخرة لامتهان الكرامة و عدم القدرة على الرد على السر  وقتها  ، بالطبع حديثه كان ( هرشة ) ساكت و لم ينفذ.

كانت تلك أحد مواقف تاج السر اسجلها للتوثيق و لمعرفة معادن الرجال عند ( الحارة )، في الظروف الصعبة تلك الأيام، كان معظم الناس يخشون الاقتراب من دور الأمن و مؤسساته.

رحم الله تاج السر محمد بخيت

 

عدنان زاهر

26 أكتوبر 2026

 
 
 

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
جيرارد برونييه، محمد حسنين هيكل و السودان !

1 في الكم الهائل و المنهمر من المقالات المنشورة هذه الأيام، قرأت مقال دون توقيع الكاتب يتناول فيه مصير السودان مستقبلا وفقا لرؤية المؤرخ الفرنسي ( جيرارد برونييه ) و محمد حسنين هيكل المصري، كما يبدو

 
 
 
ثورة أكتوبر 1964 م

( الحرية لا تمنح طوعا من جانب الظالم ، بل يجب أن يطالب بها المظلومون ) مارتن لوثر كنج 1 جرى القول بان شهر أكتوبر هو شهر الثورات، و لا أدرى مدى إنطباق هذا القول على الواقع التاريخي ، و لكنى أعتقد جا

 
 
 
الكندية ( آن كارسون ) و جائزة نوبل للأدب !

Anne Carson 1 في خضم المآسي و الحروب التي تشمل مناطق متعددة من العالم ، يأتيك نبأ منعش و مجددا للأمل و بأن هنالك آناس يعملون كل في مجاله على رقى و تطور الإنسانية. الخبر العظيم و المفرح في آن واحد هو ف

 
 
 

تعليقات


bottom of page