ثورة أكتوبر 1964 م
( الحرية لا تمنح طوعا من جانب الظالم ، بل يجب أن يطالب بها المظلومون )
مارتن لوثر كنج
1
جرى القول بان شهر أكتوبر هو شهر الثورات، و لا أدرى مدى إنطباق هذا القول على الواقع التاريخي ، و لكنى أعتقد جازماً ان انتشار المقولة ارتبط بقيام أهم الثورات في العام و وهى ثورة أكتوبر الروسية في العام 1917 التي غيرت وجه العالم ، و أسست لنظام جديد هو النظام الاشتراكي .
الشعب السوداني قام بثلاث ثورات متتالية و لكن أهمها ثورة 21 أكتوبر 1964 ، و أهمية هذه الثورة نابعة، لأنها مهدت الطريق للثورات التي أتت من بعدها ، كما انها ارست قواعد مهمة للثورات في السودان. لا أريد ان أقول بانها اضافت جديداً لعلم الثورات لكنها ببساطة أكدت أن توحد الشعوب في جبهات عريضة، يسقط أعتى الديكتاتوريات و أقصد هنا ( جبهة الهيئات ) في ذلك الوقت. كما انه ليس بعيدا عن البال ثورة 19 ديسمبر 1918 التي أسقطت أبشع الدكتاتوريات في العالم و هي ديكتاتورية عمر البشير و رهطه من الاخوان المسلمين، بعد تسلطهما على رقاب السودانيين لمدة ثلاثين عاما.
أكتب هذه الشذرات التاريخية عن ثورة أكتوبر 21 ليس لأنى فقط شاركت في احداثها، و لكن لأنها كانت بدايات ارتباطي بالشأن العام ، الولوج الى معمعة السياسة التي أصبحت لا تنفصل من حياتي.
العام كان 1964 و هو تاريخ التحاقي بالمدرسة الثانوية، و قد قبلت ابتداءا بمدرسة الاهلية الثانوية امدرمان ، و لكنى تحولت بعد ذلك الى مدرسة المؤتمر لبعد المدرسة من الموردة موقع سكنى. و قد كنت محظوظا في ذلك التغيير لأن تلك المدرسة في عهد الناظر الفذ الطيب شبيكة، كانت قد تحولت الى منارة ثقافية تضئ سماء امدرمان.
في ذلك الوقت بالتحديد كان هنالك مداً متنامية ضد نظام الديكتاتور عبود، من جانبي و في ذلك العمر المبكر كان ظلم النظام الديكتاتوري قد مس أسرتي، فقد أعتقل شقيقي أنور زاهر و قامت السلطة بترحيله مع آخرين الى مدينة ( ناقشوط ) في جنوب البلاد، ثم بعد ذلك قدمته لمحكمة عسكرية حكمت عليه بالسجن لعدة سنوت. لذلك عندما قامت الثورة شاركت فيها كأحد الذين مستهم مباشرة تلك السلطة الديكتاتورية بعنهجيتها و طغيانها.
2
كنا في تلك الأيام مهتمين بالأخبار خاصة أخبار طلبة جامعة الخرطوم و كنا قد علمنا بقيام ندوة تناقش مشكلة جنوب السودان ، عند قيام الندوة اطلقت سلطة عبود الرصاص على الموجودين في الندوة و سقط فيها شهيدا طالب كلية العلوم احمد القرشي طه .
ذلك كان دافعا لنا للخروج و التظاهر، كان هدف مظاهرة طلبة المؤتمر الذهاب الى مدرسة امدرمان الثانوية بنات لحثهم على الخروج ثم الذهاب معهم الى الخرطوم و الانضمام لطلبة جامعة الخرطوم. لكن عند عبور المظاهرة كبرى ( أبوعنجة ) وجدنا البوليس في انتظارنا بالقرب من ( كشك الكحلاوى ) المقابل لحديقة ( الجندول ) ، ثم بدأ بإلقاء قنابل ( البمان ) المسيلة للدموع علينا، كان منا من يلتقط البمان و يقوم بإرجاعه الى تجمعات البوليس، ثم تفرقنا الى مجموعات صغيرة في كل المنطقة.
المظاهرة الثانية خرجت من المدرسة و عبرنا كبرى امدرمان او النيل الأبيض و عند مكان ( قاعة الصداقة ) اليوم - كانت في ذلك الزمن مكان لحديقة خاصة كبيرة تزرع فيها الفواكه - اعترضنا البوليس و كالعادة قام برمي البمبان على المظاهرة، و أتذكر من المشاركين و أصدقائي لاحقا عمر عبدالقادر بشير و الراحل متوكل خالد عمر و للصدف فقد انضما للقوات المسلحة و تخرجا من الكلية الحربية ووصلا لأعلى الرتب.
بعد ذلك اشتركت في مظاهرة شارع القصر، ميدان عبدالمنعم و ليلة المتاريس عندما اذاع في ذلك الزمن فاروق ابوعيسى من المذياع بيانا يدعو فيها الجماهير للخروج الى الشارح لحماية الثورة من انقلاب يجرى الاعداد له. لقد انتصرت ثورة 21 اكتوبر بعد استشهاد 39 شخصا بينهم ثلاث من أبناء جنوب السودان هم ( لورانس ديمترى )، ( مبيور أشول ) و ( دقين جوك ).1
3
تلك ذكريات مضت عليها اثنين و ستين عاما لكنها لا زالت راسخة في الذاكرة رقم نسيان بعد التفاصيل و ذلك في رأى طبيعي. لا أعتقد عظمة ثورة أكتوبر أتت فقط من انها اول ثورة في السودان تسقط نظاما فاشيا، و لكن لأنها أصبحت رمزا لثورات السودان و اسست قيما ، مبادئ، طرق و أساليب لنجاح الثورات وهى:
التضحية بالروح في سبيل انتصار العدالة
وحدة الجموع تحت مظلة كبيرة
اختيار الوقت الملائم و طرح الشعارات الملائمة
اتناول تلك الذكرى، و في ذهني الاعداد و التحضير لإزالة الديكتاتورية الجاثمة الآن على صدورنا ، مسترشدين في ذلك بتجارب و ارث لثلاث ثورات قام بها الشعب السوداني العظيم.
عدنان زاهر
15 أكتوبر 2026
1 – جريدة الأيام العدد 8338 ، 30 أكتوبر 2005 – الأستاذ تاج السر مكى – عبدالقادر إسماعيل أحمد

تعليقات