جيرارد برونييه، محمد حسنين هيكل و السودان !
1
في الكم الهائل و المنهمر من المقالات المنشورة هذه الأيام، قرأت مقال دون توقيع الكاتب يتناول فيه مصير السودان مستقبلا وفقا لرؤية المؤرخ الفرنسي ( جيرارد برونييه ) و محمد حسنين هيكل المصري، كما يبدو ان كاتب المقال المجهول متماهيا و متبنيا لرأى المؤرخ الفرنسي !!
و لأهمية ما ذُكر في المقال، أحاول الرد باختصار لتوضيح بعض المفاهيم الخاطئة التي وردت فيه. و لتسهيل المهمة على القارئ سوف أقول بإيراد أهم النقاط التي وردت في المقال و يمكن حصرها في الآتي:
1- ان السودان ( وحش سياسي ) غير قابل للقيادة.
2- السودانيون يفتقدون الى الوازع الوطني لصالح الانتماء الوجداني للقبيلة و هو كلام ( ملولو ) يقصد به انعدام الوطنية عند الشعب السوداني.
3- السودان مساحة إدارية و يستعير كاتب المقال مقولة المصري محمد حسنين هيكل التي ذكرها على قناة المصرية عام 2013 بان ( السودان عبارة عن رقعة جغرافية فقط و ليس هنالك دولة أو امة ) !!
4- ان السودان قد يتفكك الى اربع أو خمس كيانات
2
قبل تفنيد ما ذكر أعلاه أريد ان أورد عدة اسطر للتعريف بالمؤرخ الفرنسي اضافة الى الصحفي المصري.
جيرارد برونييه هو مؤرخ و باحث فرنسي متخصص في الشئون الأفريقية خاصة منطقة القرن الأفريقي. عمل مديرا للبحوث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي كما يعمل محاضرا في عدد من الجامعات. له عدد من المؤلفات أهما
Rwanda: the Biography of Genocide-1995
The Darfur Crisis: Africa’s wars – 2008
Darfur: The Ambiguous Genocide
كما لديه عدة مقالات و بحوث، زار السودان عدة مرات كما زار جنوب السودان.
محمد حسنين هيكل هو واحد من ابرز الصحفيين المصرين و كاتب لمقاله الأسبوعى المعروف ( بصراحة ) كما هو منظر للناصرية و رافضا للديمقراطية البرلمانية.
3
في تقديري ان المؤرخ جيرارد كان خاطئا و متحيزا كما يفعل اغلب المتخصصين الغربيين و هم يحللون من عل و فوقية الأوضاع السياسية و الاجتماعية في افريقيا، كما ان وصفه السودانيين يفتقدون للوطنية متعسفا و مسيئا و يفتقر للمعرفة التاريخية للشعب السودان.
كيف يمكن ان يفسر لنا هذا المؤرخ قيام ثلاث ثورات في أربع عقود اسقطت أعتى الديكتاتوريات و شملت كل بقاع السودان ( ثورة أكتوبر 1964 ، انتفاضة ابريل 1985نثورة ديسمبر 2019 ) !!!
بالطبع لا أحد ينفى طغيان و تجذر القبلية في المجتمع السوداني كما ساعد على تأجيجها و ترسيخها – بعد أن بدأت في التضاؤل - نظام الديكتاتور عمر البشير المتأسلم سعيا لفصل بعض الأقاليم مثل ما ذكر و كتب عن ( مثلث حمدى )، مع التمهيد للاحتماء بالقبيلة عند سقوط نظامه كما هو حادث الآن . لكن رغم كل ذلك فالوطنية في السودان موجودة و راسخة في الوجدان و أكبر دليل على ذلك قيام تلك الثورات
بالإضافة الى ان المقارنة بدولة مصر من قبل المؤرخ سطحية و متحيزة، لاختلاف الظروف التاريخية و الاجتماعية التي تشكل فيها الشعب المصري و الشعب السوداني، كما ان السودان ليس مساحة إدارية كما ذكر و لن يتفكك الى عدة دويلات كما يتمنى هو.
اما قول محمد حسنين هيكل الذى ذُكر لتعضيد رأى ( جيرارد ) فهو أيضا خاطئ و مقصود كما يُراد به التمهيد لاحتلال مصر للسودان و التمكن من موارده. و تلك النظرة تجاه السودان لم تتغير منذ عهد محمد على باشا الذى غزا السودان لاسترقاق الرجال، مرورا بمصطفى كامل الذى ذكر ( ان حقوقهم في السودان مقدسة ) و انتهاءا بسعد زغلول الذى قال موجها حديثه للسلطات الإنجليزية عام 1919 ( ان مصر و السودان كل لا يقبل التجزئة) و ( ان السودان ألزم لمصر من الإسكندرية )!!
ان محمد حسنين هيكل يمثل النخب المصرية البرجوازية التي تطمع و يسيل لعابها للاستيلاء على موارد السودان، و تخطط على ان يكون السودان جزاءا من مصر. تلك سياسة لها جذورها السياسية و الفكرية الضاربة في القدم، و تسمى تلك العلاقة من جانب المصريين وفقا للظروف التاريخية و السياسية بين البلدين. أحيانا تسمى برد الوديعة، سياسة المجال الحيوي، حق السيادة و الفتح، سياسة الامتداد الطبيعي ووحدة التراب الوطني، و أخيرا كما نرى الآن ساسية العمق الاستراتيجي أو الدفاعي.
4
ان الأفكار التي يطرحها المؤرخ الفرنسي جيرارد ليست خالية من الغرض فهو يعمل مستشارا سياسيا للدولة الفرنسية و غالبا ما تكون مثل تلك التحليلات ذات طابع استخباراتي.
دولة فرنسا لا زالت لها أطماع في افريقيا، كما ان الغرب يهدف بعد مرحلة الاستعمار المباشر، أن يبدأ مرحلة تفتيت الدول الى دويلات صغيرة يسهل السيطرة عليها ، و السودان يقع ضمن ذلك المخطط.
ان المقالات التي تروج لتلك الأفكار بوعى أو دونه، تعمل و تمهد لقبول فكرة التفتيت ، و هى مثل كثير من الممارسات التي تطل بوجها القبيح هذه الايام ، متزامنة مع تناسل المليشيات المسلحة.
عدنان زاهر
21 أكتوبر 2026

تعليقات