مدرمان - تورنتو والبرق (العبادي)!
تراكمت السحب السوداء في ( تورنتو ) في الجانب الشمالي الشرقي من سماء المدينة، ثم ومض برق يشابه ( البرق العبادي ) حينما يبرق هنالك في البعيد تجاه النيل فيضئ سماء امدرمان. و يقال انه سمى بالعبادي لأن تلك السحب الممطرة تأتى من ناحية الشمال الشرقي و هي المنطقة التي تسكنها قبيلة ( العبابدة ).
كنت أجلس مسترخيا ومستمعا الى ايقاع زخات المطر و هي تتساقط بقوة، فجأة و بلا مقدمات تجسمت امدرمان في ذاكرتي بكل ثقلها و توهطت، حاولت التملص منها و لكنها تمكنت منى، فاستسلمت لها طائعا مختارا...... ثم بدأت رحلة الذكريات.
قلت لنفسي أهلنا في امدرمان يقولون أن مطر العبادي لا يخيب، او بالحكي الشعبي ( مطرته ما بتجلي كلو كلو )، و هذا ما حدث في تورنتو تلك اللحظة، فقد بدأ هطول المطر وعبقت رائحته الأجواء.
كان التلفزيون مفتوحا و اراقبه بين فينة و أخرى، ثم ظهر فنان و هو يردد و يعيد مقطع من اغنية يقول فيها:
طريت برق الفويطر الشال
ساح دمعى البكب و الشال
كل صبري و منامي انشال
لبس من ناري عمة و شال
كانت الأغنية هي أغنية ( عزه الفراق بي طال) و الفنان المبدع الذى يشدو بها كان محمد دفع الله، فخطر ببالي شاعر الاغنية المتفرد المرهف ( إبراهيم العبادي ) الذى ولد في امدرمان في فريق العبابدة غرب مستشفى امدرمان و قرب مدرسة الأميرية المتوسطة.
و أنا استمع لأغنية ( عزه ) مرت بخاطري الأغاني و الشعر الذى كتبه ذلك الشاعر الموهوب و اتحف به الاغنية السودانية....... ( سايق الفيات )، ( برضوا ليك المولى ) ، ( ألم البعاد ) و ( أبكى و انحوح و أصيح ) يشدوا بها و يصيح الفنان الكبير المتصوف بادى محمد الطيب.
صادف زيارتي الأخيرة الى أم در قبل الحرب عام 1923 شهر رمضان، فتلاحقت في ذهني ذكرياته التي بدأت تتداعى بحنية..... شراب القهوة في الأمسيات في حديقة الريفيرا مع بعض الأصدقاء، و التي لم يعد يجلس بها أحد تعرفه !!
او الجلوس في ( منتزه الحوش ) الذى حل محل ( بحر سماحة ) الذى كان في الماضي تتوافد اليه ( سيرات ) الأعراس و حتى الختان من كل انحاء امدرمان.
أحيانا أقوم بالذهاب راجلا الى الملازمين للتخلص و تقليل ثقل طعام إفطار رمضان مع التريض ثم شراء ( الكشري ) - الذى يعشقه افراد المنزل - من محل قرب ( صنية الأزهري )، أو شراء الباسطة و البسبوسة من محل ( الطيب سيد مكى ) الذى يقع بقرب مكان الكشري.
مرت بذهني رحلة الصيد الى كبرى الدباسين التي كادت أن تتحول الى كارثة، أخبرنا أحد الأشخاص أن البلطي ظهر تحت كبرى الدباسين و كعادة الصيادين في المبالغة و التهويل قد ذكر ( ان البلطية هنالك قدر بيت الكمنجة ) !!!
شددنا الرحال الى هنالك مع أصدقائي الثلاثة رفاق الصيد، كان البحر ( دميرة )، و لا يوجد سمك على الشاطئ ،فقررنا الدخول الى العلبة الثانية من الكبرى و كانت المياه حتى الصدر و قد وقعت في حفر كدت أن اغرق فيها، و رغم تلك المخاطر لم نصطاد شئيا . عندما عدنا للشاطئ من جديد كان موعد الإفطار لم يتبقى عليه كثيرا و العربية تسرع للحاق بالإفطار في موعده و عند ( لفة ) الفتيحاب انحرفت العربة و كادت العربة أن تنقلب على ظهرها و نجونا مرة أخرى !!!!!
تذكرت بائع الأسماك ، و أنا اتجول في الملجة الذى عرض على أن اشترى منه سمك ( النوق ) باعتباره سمك العجل، و حين أخبرته ان هذا سمك النوق و نحن لا نأكله استغرب و ضحك مقهقها ثم قال لي ( يا ابن العم أمشى من هنا خلينا نشوف رزقنا ) ! ضحكت انا أيضا و ذهبت من أمامه .
كان مطر تورنتو العبادي الذى يهطل بعنف قد خفت وتيرة نزوله ثم توقف فجأة ومعه البرق العبادي، و لدهشتي فقد انقطع أيضا سيل الذكريات مع توقف المطر العبادي ( التورنتى ) ، قررت الذهاب للنوم دون ابطاء و أنا تحت دغدغة تلك الذكريات عن الحبيبة أمدرمان.
عدنان زاهر
9 أكتوبر 2026

تعليقات