top of page
بحث

ذكريات دقاقة

  • Adnan Zahir
  • قبل يوم واحد
  • 3 دقيقة قراءة

 

 

( جوبا مالكي علئ )

 

كان ذلك في العام 1987 عند زواجي، صديقي الراحل د فوزى عبدالمجيد ( سمير ) الذى كان عميدا لكلية القانون جامعة جوبا و تزاملنا في جامعة الصداقة في زمن الاتحاد السوفيتي. قدم لي عرضا مفاده انه لن يستطيع الحضور للخرطوم لحضور حفل زواجي، لذلك فهو يعرض علئ مع زوجته د عزيزه لقضاء شهر العسل في مدينة جوبا.

كان العرض مغريا خاصة ان صديقي عبدالروؤف العامل في الطيران المدني وقتها، قد تبرع لي هو الآخر أيضا بتذكرة سفر ذهاباً و أياباً الى جوبا على طائرة ( نايل سفاري ). بالطبع ذلك ( عرض لا يمكن رفضه ) كما يقول الممثل العظيم ( مارلين براندو ) زعيم المافيا في فيلم ( الأب الروحي ) .

حزمنا أمتعتنا مع زوجتي الراحلة الأستاذة انصاف إبراهيم و امتطينا طائرة ( نايل سفارى )، و هي طائرة شحن ضخمة بها مقعدين فقط قرب الطيار، بقية الطائرة كانت مشحونة بجولات ضخمة تحتوى على حبوب متنوعة و بقربها بضائع أخرى. جلس على تلك الجولات عدد كبير من الجنود العائدين من اجازاتهم الى وحداتهم في الجنوب، في ذلك الوقت كانت الحرب في الجنوب على أوجها بين القوات المسلحة و حركة تحرير السودان بقيادة ( جون قرنق ). جوبا مدينة تبهر الزائر بخضرتها المترعة التي تشابه مياه المحيط في المياه العميقة.

الصدف هي التي ساقتني الى تلك المدينة المخضرة و في زمن اشتداد القتال في تلك الفترة، لتقضيه شهر عسل في مدينة جوبا، جعلت أحد مضيفي من القضاة  المتواجدين في المدينة هنالك لم أكن اعرفه عندما تمت دعوتنا من قبلهم الى حفل غداء احتفائنا بنا، سائلا لي متعجبا و بصوت هامس ( انت الجابك البد دي شنو شهر عسل ) ؟!!! اضطررت أن أحكى له القصة من ( طقطق للسلام ) !

مدينة جوبا لا يمكن نسيانها اطلاقا و القصة التي سوف أرويها وقعت أحدثها في تلك الفترة.

كنا نسكن بمجمع أساتذة الجامعة، و درجت عند القيام مبكرا و الجو صحوا غير ممطر، أن أجلس تحت شجرة ظليلة بقرب المنزل الذى نسكنه، للاستمتاع بلطافة الجو. كنت أجلس ذلك الصباح عندما ممر بقربى شخص ممشوق القوام من قبيلة الدينكا يحمل في تمثالا من خشب الأبنوس، كان التمثال لرجل دينكاوى يرفع رجل على الرجل الآخرى و يتكئ على حربه يحملها، اصدقكم القول لم أشاهد قطعة فنية أجمل منها حتى مع سفري و تنقلى خارج الوطن. فناني الجنوب ينحتون بالسليقة و أعمالهم تضاهى خريجي اكاديمية ( فلورنسا ) للفنون بإيطاليا أو أكاديمية ( سانت بطرسبرج ) بروسيا.

استوقفته على الفور و سائلا هل القطعة للبيع، رد بهز رأسه بمعنى نعم. سألته عن السعر فطلب منى أن أعرض سعرا، قلت له سعرا اعتقدت انه يناسب تلك القطعة الفنية، نظر الى غاضبا  و عرض سعرا من جانبه، عندما رفضت ذهب.

في المساء خرجت من المنزل للتنزه خاصة ان الجو كان لا يزال صحوا و للصدف الغريبة شاهدت نفس النحات الدينكاوى يحمل تمثاله عارضا و متجولا، يبدو عليه الإرهاق و الجوع. استوقفته عارضا نفس السعر الذى عرضته صباحا متوقعا ان يقبل العرض تحت وطأة الجوع و التعب، رفض في أباء و غادر دون حتى ان ينظر الئ.

بعد رجوعي للخرطوم و بعد فترة طويلة و القصة لا زالت رابضة في ذهني حكيت القصة لشقيقتي خالدة و كنت أعلم انها عملت لفترة في جنوب السودان و هي تعرف طباعهم ، ابتسمت و قالت (  ان صاحب القصة التي ذكرتها فنان و نحات، و هو يقيم فنه و يحدد القيمة التي تناسبه ذلك الفن و جهده ) ثم أضافت ( لو مات من الجوع لن يبيع بغير السعر الذى قاله في البداية )!

أروى القصة و أنا لا زلت أفكر بعد خمسين عاما ، هل رفض الفنان الدينكاوى للسعر الذى عرضه علاقة بأنفة الدينكا ام تقييم فنان بالفطرة لفنه، أم الأثنين معا ؟!!

 

عدنان زاهر

يوليو 2026

 
 
 

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
( سيرا ) - سينما أفريقية

Sira شاهدت اليوم فيلماً بعنوان ( سيرا )، و كان هذا الفيلم قد عرض في مهرجان تورنتو السينمائي 2023، و لم استطع وقتها من الحصول على تذكرة للدخول لمشاهدته لنفادها من السوق. وأريد ابتداءاً ان أذكر لماذا أو

 
 
 
( تمبكتو ) – سينما افريقية!

مدينة ” تمبكتو ” يعنى اسمها ( أبعد مكان يمكن تخيله )! و هو اسم للفيلم الذى أخرجه الموريتاني الجنسية عبدالرحمن سيساكو. عرض الفيلم في مهرجان ” كان ” السينمائي و حاز على تقدير النقاد، حاز على جائزة ” سيز

 
 
 
قراءة في مذكرات الرئيس المصري محمد نجيب

( كان الخط الوطني لجميع الأحزاب و المفاوضين المصرين في السابق ، هو فرض سيطرة مصر على السودان مستندين الى أسباب تاريخية و حق الفتح ) ص 91 من كتاب ( كلمتى للتاريخ ) الجزء الثالث عندما تقابل المصري في

 
 
 

تعليقات


bottom of page