امدرمان لم تعد بلد " الأمان " !
- Adnan Zahir
- قبل 6 دقائق
- 3 دقيقة قراءة
الوقائع المتبادلة في الوسائط الاجتماعية تقول ، ان حافلة متجهة من شمال امدرمان الى الخرطوم بشارع " بوابة عبد القيوم " بالموردة ، و كعادة السودانيين عندما يتجمعون في المواصلات يبدأون في مناقشة المشاكل التي تهمهم ، و هي اما تكون اقتصادية أو سياسية لزوم الاحتجاج و المشاركة الجماعية التي تساعد على التخفيف عن بعضهم البعض.
بدأ الحديث ذلك اليوم ،عن انعدام الأمن و سلوك المليشيات في التعدي على المواطنين حتى أصبحت ظاهرة يتناولها المجتمع بالحديث. كان ضمن الراكبين في الحافلة أحد العساكر و هو جندي منتمى للقوات المشتركة، امر السائق بإيقاف الحافلة بالقرب من احد الارتكازات امام جامعة القرآن الكريم ، ثم تم انزال الركاب من الحافلة و تم جلدهم بواسطة جنود الارتكاز و بعد ذلك اطلق سراحهم هذا الحدث المثير للدهشة تم في " امدرمان بلد الأمان "!
عندما كنا صغار السن في امدرمان خمسينات القرن الماضي، و عندما يعتدى احد الصبية على صبى آخر بدون وجه حق كنا نقول له ( انت قايل الدنيا مهدية )! ، ذلك القول كنا نسمعه من كبار السن دون أن نفهم معناه. عندما التحقنا بالمدراس النظامية عرفنا ان المقولة برزت الى الوجود ،عندما استدعى الخليفة عبدالله جنوده من الغرب أي " الجهادية " ابان صراعه على السلطة مع اشراف المهدى للاستقواء بهم، و كان قد وقع منهم كثير من التجاوزات تجاه المواطنين في امدرمان ، لذلك شاعت تلك المقولة و تمددت في المجتمع، و لا يستبعد ان السلطة الاستعمارية و أعداء الثورة المهدية ، قد ساهموا في انتشارها للتقليل من الثورة المهدية و الحط من قدرها، فهل تنطبق تلك المقولة على واقع اليوم ؟!
2
لست تلك الواقعة لوحدها و التي قمت براويتها تحكى عن انفراط الأمن في العاصمة الذى تسببه المليشيات المسلحة، بل صار السلاح المنتشر في المجتمع و الاعتداء على المواطنين العزل و اخذ حقوقهم ، متفشى بين الناس كما صار حسم الخلاف بالعنف هو المنهج السائد.
ذكر لي أحد الأصدقاء من سكان ادرمان القديمة و الذين لم يغادروا المدينة منذ وقوع الحرب، انهم لا يخرجون من منازلهم بعد الخامسة مساء خوف الاعتداء عليهم من المليشيات المتعددة التي تجوب العاصمة و المدججة بالسلاح، أو العصابات المسلحة مجهولة الهوية التي تعج بهم العاصمة. ان انعدام الأمن في العاصمة لا يعنى فقط غياب و سيادة قانون الغاب بل ذلك النهج و السلوك سوف يؤدى بالضرورة الى تشكيل كافة العلاقات ان كانت اجتماعية ،سياسة أو اقتصادية من جديد . لتبيان قولنا هذا سوف نعدد السلبيات التي سوف تلحق بالمجتمع من العنف الذى ساد ،والذى سوف يؤدى بالضرورة و بالتدريج الى انهيار المجتمع و قيمه السمحة.... تلك السلبيات تتمثل فى الآتي :
1- يؤدى انتشار العنف الى الاستهانة و الاستهتار بالقانون و مؤسساته، كما يعمل على سيادة منطق القوة و مقولة ( القوى يأكل الضعيف ) في المجتمع.
2- حسم المسائل بين المواطنين بالقوة يقضى على قيم التسامح الذى عُرف وأتصف بها الشعب السوداني.
3- عندما ينعدم الامن يلجأ المواطن الى التشكيلة الاجتماعية التي تعمل على حمايته و في السودان يعنى ذلك الرجوع الى القبلية من جديد باختصار العودة الى الخلف خطوات.
4- الرجوع الى حضن القبيلة يعنى احياء العرقية الكامنة أصلا في المجتمع و التي لم يعمل على القضاء عليها، و ذلك سوف يؤدى مع منطق السلاح و القوة الى التفكك و التلاشي، كما سيصبح الوطن لقمة سائغة لدول الجوار الطامعة في دولة السودانية الغنية العامرة بالخيرات .
5- انعدام الأمن يؤدى الى فقدان الثقة بين المواطنين و يعمل على بذر الشك، فينعدم الاطمئنان و ينعكس ذلك على صحة المواطنين النفسية فتتفشى الأمراض الاجتماعية.
6- من الناحية الاقتصادية يؤدى انتشار العنف في ارجاء الوطن، الى هروب الاستثمار من السودان ببساطة لأن المستثمر لا يمكنه انفاق الملايين و هو يعرف أن ماله عرضة الى الضياع ، النهب و السرقة.
و أخيرا ان سيادة ثقافة العنف في المجتمع و تلاشى مؤسسات العدالة و ضعفها من قضاء ، نيابة و بوليس ، سوف يؤدى الى نشوء جيل لا يعرف حل خلافاته الا بالعنف و استخدام السلاح فتسود الفوضى في المجتمع.
3
السؤال الذى يفرض نفسه بقوة دون تزويق و يرتبط بمنطق الاحداث هو كيفية " المخارجة " من هذا الوضع المزرى و المأساوي الذى يعيشه المواطن اليوم ؟
الحل يتمثل في تكوين جبهة عريضة من أصحاب المصلحة لإيقاف الحرب فورا ، و ذلك من خلال العمل القاعدي الدؤوب ، مع استخدام كافة سبل النضال السلمية في سبيل الوصل الى سلطة مدنية و ابعاد العسكر و المرتبطين بهم من سدة الحكم.
الكل يعلم انه طريق شاق لكن لا بد منه، لمنع تفكك الدولة السودانية و حمايتها من اللصوص و المرتزقة لوردات الحروب.
عدنان زاهر
24 مايو 2026

تعليقات