top of page
بحث

امدرمان لم تعد بلد " الأمان " !

  • Adnan Zahir
  • 25 مايو
  • 3 دقيقة قراءة

 

 

الوقائع المتبادلة في الوسائط الاجتماعية تقول ، ان حافلة متجهة من شمال امدرمان الى الخرطوم بشارع " بوابة عبد القيوم " بالموردة ، و كعادة السودانيين عندما يتجمعون في المواصلات يبدأون في مناقشة المشاكل التي تهمهم ، و هي اما تكون اقتصادية أو سياسية لزوم الاحتجاج و المشاركة الجماعية التي تساعد على التخفيف عن بعضهم البعض.

 بدأ الحديث ذلك اليوم ،عن انعدام الأمن و سلوك المليشيات في التعدي على المواطنين حتى أصبحت ظاهرة يتناولها المجتمع بالحديث. كان ضمن الراكبين في الحافلة أحد العساكر و هو جندي منتمى للقوات المشتركة، امر السائق بإيقاف الحافلة بالقرب من احد الارتكازات امام جامعة القرآن الكريم ، ثم تم انزال الركاب من الحافلة و تم جلدهم بواسطة جنود الارتكاز و بعد ذلك اطلق سراحهم هذا الحدث المثير للدهشة تم في " امدرمان بلد الأمان "!

عندما كنا صغار السن في امدرمان خمسينات القرن الماضي، و عندما يعتدى احد الصبية على صبى آخر بدون وجه حق  كنا نقول له ( انت قايل الدنيا مهدية )! ، ذلك القول كنا نسمعه من كبار السن دون أن نفهم معناه. عندما التحقنا بالمدراس النظامية عرفنا ان المقولة برزت الى الوجود ،عندما استدعى الخليفة عبدالله جنوده من الغرب أي " الجهادية " ابان صراعه على السلطة مع اشراف المهدى للاستقواء بهم، و كان قد وقع منهم كثير من التجاوزات تجاه المواطنين في امدرمان ، لذلك شاعت تلك المقولة و تمددت في المجتمع، و لا يستبعد ان السلطة الاستعمارية و أعداء الثورة المهدية ، قد ساهموا في انتشارها للتقليل من الثورة المهدية و الحط من قدرها، فهل تنطبق تلك المقولة على واقع اليوم ؟!

 

2


لست تلك الواقعة لوحدها و التي قمت براويتها تحكى عن انفراط الأمن في العاصمة الذى تسببه المليشيات المسلحة، بل صار السلاح المنتشر في المجتمع و الاعتداء على المواطنين العزل و اخذ حقوقهم ، متفشى بين الناس كما صار حسم الخلاف بالعنف هو المنهج السائد.

 ذكر لي أحد الأصدقاء من سكان ادرمان القديمة و الذين لم يغادروا المدينة منذ وقوع الحرب، انهم لا يخرجون من منازلهم بعد الخامسة مساء خوف الاعتداء عليهم من المليشيات المتعددة التي تجوب العاصمة و المدججة بالسلاح، أو العصابات المسلحة مجهولة الهوية التي تعج بهم العاصمة. ان انعدام الأمن في العاصمة لا يعنى فقط غياب و سيادة قانون الغاب بل ذلك النهج و السلوك سوف يؤدى بالضرورة الى تشكيل كافة العلاقات ان كانت اجتماعية ،سياسة أو اقتصادية من جديد . لتبيان قولنا هذا سوف نعدد السلبيات التي سوف تلحق بالمجتمع من العنف الذى ساد ،والذى سوف يؤدى بالضرورة و بالتدريج الى انهيار المجتمع و قيمه السمحة.... تلك السلبيات تتمثل فى الآتي :

 

1- يؤدى انتشار العنف الى الاستهانة و الاستهتار بالقانون و مؤسساته، كما يعمل على سيادة منطق القوة و مقولة ( القوى يأكل الضعيف ) في المجتمع.

2- حسم المسائل بين المواطنين بالقوة يقضى على  قيم التسامح الذى عُرف وأتصف بها الشعب السوداني.

3- عندما ينعدم الامن يلجأ المواطن الى التشكيلة الاجتماعية التي تعمل على حمايته و في السودان يعنى ذلك الرجوع الى القبلية من جديد باختصار العودة الى الخلف خطوات.

4- الرجوع الى حضن القبيلة يعنى احياء العرقية الكامنة أصلا في المجتمع و التي لم يعمل على القضاء عليها، و ذلك سوف يؤدى مع منطق السلاح و القوة الى التفكك و التلاشي، كما سيصبح الوطن لقمة سائغة لدول الجوار الطامعة في دولة السودانية الغنية العامرة بالخيرات .

5-  انعدام الأمن يؤدى الى فقدان الثقة بين المواطنين و يعمل على بذر الشك، فينعدم الاطمئنان و ينعكس ذلك على صحة المواطنين النفسية فتتفشى الأمراض الاجتماعية.

6-  من الناحية الاقتصادية يؤدى انتشار العنف في ارجاء الوطن، الى هروب الاستثمار من السودان ببساطة لأن المستثمر لا يمكنه انفاق الملايين و هو يعرف أن ماله عرضة الى الضياع ، النهب و السرقة.

و أخيرا ان سيادة ثقافة العنف في المجتمع و تلاشى مؤسسات العدالة و ضعفها من قضاء ، نيابة و بوليس ، سوف يؤدى الى نشوء جيل لا يعرف حل خلافاته الا بالعنف و استخدام السلاح فتسود الفوضى في المجتمع.


3

 السؤال الذى يفرض نفسه بقوة دون تزويق و يرتبط بمنطق الاحداث هو كيفية " المخارجة " من هذا الوضع المزرى و المأساوي الذى يعيشه المواطن اليوم ؟

الحل يتمثل في تكوين جبهة عريضة من أصحاب المصلحة لإيقاف الحرب فورا ، و ذلك من خلال العمل القاعدي الدؤوب ، مع استخدام كافة سبل النضال السلمية في سبيل الوصل الى سلطة مدنية و ابعاد العسكر و المرتبطين بهم من سدة الحكم.

الكل يعلم انه طريق شاق لكن لا بد منه، لمنع تفكك الدولة السودانية و حمايتها من اللصوص و المرتزقة لوردات الحروب.

 

عدنان زاهر

24 مايو 2026

 
 
 

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
سينما – الأوديسة!

The Odessey شاهدت مساء أمس فيلم ( الاوديسة ) رائعة الشاعر اليوناني هوميروس، و لأهمية الفيلم و قيمته الثقافية و الفنية قررت استعراض أهم مشاهده باختصار غير مخل، خاصة ان مدة عرض الفيلم استمرت لمدة ثلاث

 
 
 
سجن ( شالا ) مرة أخرى !

هذه الحكايات التي سوف أقوم بسردها هنا حدثت أثناء اعتقالنا بسجن شالا بدارفور في العام 1992، بعد نقلنا اليه من سجن كوبر على متن طائرة عسكرية. كنا مجموعة من المعتقلين تمثل معظم شرائح المجتمع السوداني، مه

 
 
 
تماسيح السودان ( البشرية ) !

1 يتداول و يشغل الاعلام هذه الأيام و بشكل مثير، خبر انتشار التماسيح في عدد من مناطق السودان خاصة الشمالية و مناطق النيل الأبيض، و كونت فرق عسكرية و غير عسكرية من الأهالي لاغتيال التماسيح. في رأى هذ

 
 
 

تعليقات


bottom of page