top of page
بحث

مريسة " تامزينو " !

  • Adnan Zahir
  • 20 ديسمبر 2020
  • 4 دقيقة قراءة

تاريخ التحديث: 27 ديسمبر 2020


يتداول العامة الكثير من الأمثال الشعبية المستمدة و المنبثقة من الحياة و تستخدم فى مواقف بعينها للتعبير عن وجهة نظر، الاستدلال بصحة وجهة نظر...... أو عدم صحة وجهة النظر الأخرى و أستحالتها . تلك الأمثال المشربه بالحكمة الشعبية تستطيع ببساطتها و تركيبها السهل توصيل ما هو مطلوب فى الموقف المحدد بدقة متناهية دون تعقيد،تزيد أو حذلقة ، و من المدهش حقا ان بعض منها أنتشر فى مناطق واسعة من السودان رغم اختلاف الثقافات و تعددها مما يعنى قبولها و اتساقها مع واقع آخر.......واحد من تلك الأمثال الكثيرة المتداولة مثل يقول ( ده ما بجيب مريسة تامزينو ) !

السؤال الذى يتبادر مباشرة الى ذهن المستمع أو القارئ من أين آتى ذلك المثل ؟! و كيف تسلل الى حياة العامة و ذاع شيوعه ؟!

المثل كما هو واضح من كلماته قد أرتبط بالانداية وهى مكان أو حانه يجتمع فيه الناس لشرب الخمور البلدية، ذكر الطيب محمد الطيب فى كتابه المعروف ( الانداية )... ان السودان قد عرف الأنادى منذ عهد السلطنه السنارية، و لكن فى الفترة التى نحن بصدد الحديث عنها، و هى الفترة الممتدة منذ عهد الاستعمار الانجليزى المصرى و الى ما بعد الاستقلال و حتى سبعينات القرن الماضى، فقد صدرت لها قوانين محلية تنظم وجودها، تشمل وقت مزاولة عملها و الجانب النظامى و الصحى داخل الأنداية، نظير تلك الخدمات فقد كان مالكوا الانادى يقومون بدفع ضرائب منتظمة للدولة.

أهم ما يميزها فى المجتمع هو وجود علم مرفوع على سارية فى الموقع، وذلك يعنى أن هذا المكان مخصص للشرب غير مغلق و يرحب بالجميع، ولا ينزل ذلك العلم الا فى حالات ثلاث .....وفاة أحد الحكام الكبار،موت شيخة الانداية أو عندما يشترى أحد الرواد كل المريسة الموجودة فى الموقع و يأمر بانزال العلم.1

الانداية لم تكن مكان للشرب فقط فقد كانت منتدى أيضا لمعرفة الاخبار الاقتصادية و اخبار السوق، حركة السلع و أسعارها،سوق العمالة و العمل كما كانت مصدر للحكاوى الشعبية، الشعر و الدوبيت ،الملح و الطرائف.الانداية بجانب روادها الاساسين من اصحاب الصنع كالسروجية ، السرماطية ،النواته ،العتالين ، السروجية، الخضرجية ، الجزارين....الخ فقد كان يرتادها أيضا التجار، العمد والشيوخ، بعض الأفندية و الجنود.

الملاحظ و اللافت للانتباه أن الأنداية كانت منتشرة و موجودة فى كل انحاء السودان، كما كانت لكل انداية فى آى منطقة خصائصها التى تميزها عن الآخرى. خدمات تلك الأنادى لم تتوقف الا فى فترات محدودة فى التاريخ هى ......فترة المهدية، بعد قوانين سبتمبر التى سنها الجنرال الدكتاتور نميرى فى العام 1983 و فترة حكم الاسلامين فى السودان الممتد من 1989 – 2019 .

يرتبط وجود الانداية بالمشروبات البلدية التى تقدم لروادها و أهمها المريسة و هى نوع من الخمور البلدية تصنع من الدخن، الذرة، السمسم و البلح بعد أن ينقع فى الماء و هى مصدر غذاء فى كثير من مناطق السودان خاصة الغرب و سابقا جنوب السودان.

ذكر شقيقى هلال زاهر فى كتابه ( أيام التونج ) انه عندما كان عميدا لمعهد " التونج " لاحظ و أشتم أن رائحة الفصل دائما معبأ برائحة المريسة فى الحصة التى تدرس عقب فسحة الفطور مباشرة، و تأتى الرائحة النفاذة من أنفاس الطلبة و المدرسين. بعد تقصى علم هلال لاحقا أن الأهالى فى تلك المناطق يتناولون وجبة واحدة فى اليوم عند المغرب و لا يعرفون الوجبات المتعارف عليها فى الشمال من افطار،غداء و عشاء.....يشربون المريسة فقط كغذاء و مسكن للجوع ساعة الأفطار.2

المريسة متعددة الأصناف، الأنواع و الأسماء فى كل جهة من جهات السودان، و لكن مع ذلك هنالك أصناف مشتركة بينهم مثل العسلية، البقنية، البغو، كنجو مورو، أم شكه، أم بلبل، الكجانه، المدفونه، الكشيب، أم طبز و من ثم الجمل برك و كبس التور و هى أقوى تلك المشروبات و لا تعطى الا للخاصة!!!3

فى عشرينات القرن الماضى كانت انداية " سعدية " التى تقع غرب سوق الموردة بامدرمان - و هى منطقة تغص باصحاب الصنع و التجارة كما هى المورد و الميناء الرئيسى لكل السفن الشراعية التى ترد العاصمة – أشهر و أفضل مكان لاحتساء المريسة فى المدينه. يقول روادها أن سعدية شيخة الأنداية كانت ذات هيبه ووقار،يسود مكانها المرتب النظيف النظام و السلوك الحسن لروادها ، و لكن ما يميزها عن بقية انادى امدرمان كانت مريسة " تامزينو " السمحة.

تامزينو كانت ( أبنوسية اللون ،فارهة القوام ذات وجه جميل دقيق الملامح وعيون واسعة ناعسة ،أما صدرها فقد كان يتشابا أمامها كطفل مشاغب، مؤخرتها المكتنزه التى تقع تحت خصر نحيل فقد كانت فى تأرجحها ذات اليمين و الشمال و هى تمشى ببطء بين رواد الحانه تفقد عقول أركز الرجال، يصاحب كل ذلك ظرافة و حنية قلما تجدها عند امرأة أخرى )...... ذلك ما يردده معاصرى تلك الحقبة من رواد انداية سعدية.

فى كل انداية كانت هنالك عاملات يقمن بصنع المريسة و اللهو بين رواد الأنداية و الترفيه عنهم، لكن ليس كل اللهو برئيا !!!....معظم عاملات الأنادى فى ذلك الزمن كن من الرقيق المحررات أو النساء الهاربات من نير العبودية و لا مكان لهم فى سوق العمل الذى يرسم و يحدد اطاره أسيادهم السابقين،لم يكن من خيار أمامهم غير ممارسة تلك المهن ،التقسيم العرقى و الطبقى صارم القسمات داخل المجتمع ، قفل امام وجوههم كل السبل و الطرق لحياة أخرى مختلفة !!! 4

تامزينو كانت من أمهر العاملات فى صنع المريسة و فى حقيقة الأمر لم تكن هنالك مريسة تضاهيها من ناحية الجودة و حلو المذاق لذى كانت غالية الثمن . المعيار السائد لبيع المريسة فى الأنادى كان هو " العبار " لكن عبار مريسة تامزينو كان ثمنه ضعف ما يباع فى الأنادى الأخرى. كان رواد الأنادى حينما يتقابلون و يتسألون هل ما معهم و يملكون يسمح لهم بالذهاب الى انداية سعدية و كان الرد لبعضهم ( و الله القروش المعاك دى ما بتجيب ليك مريسة تامزينو )!

مع الزمن أصبح معيار مريسة تامزينو مقياس يستخدم فى التجارة و مجالات أخرى،عندما يفاصل أحد البائع فى سعر أحد السلع يرد عليه البائع ( سعرك العارضوا ده ما بجيب مريسة تامزينو )!!!.....من هنالك تسلل القول و صار مثلا يضرب فى المدن ....القرى و الضواحى.

الراوى الشعبى يردد على الدوام محتارا......ما السبب فى تمدد و اندياح المثل فى أرجاء السودان الأربع ؟!..... هل هو جمال " تامزينو " و تفردها ؟ .... جودة مريستها الفاخرة..... أم الأثنين معا !!!



1- الطيب محمد الطيب كتاب ( الأنداية )

2- هلال زاهر كتاب (أيام التونج )

3- الطيب محمد الطيب

4- أميز زاهر الساداتى /موضوع نشر فى الوسائط الأجتماعية بالانجليزىه تحت عنوان :

Taam Zain “In the memory of those forgotten workers “



19 ديسمبر 2020

 
 
 

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
الأستاذ عوض الكريم محمد الزبير

( أبو دقن ) ! 1 تأبطت و أنا أكتب عن صديق العمر الراحل عوض الزبير، المثل الروسي الذى يقول ( خيرا أن تتأخر عن لا تأتى أبدا ) و الذى يماثل القول الإنجليزي السائر Better Late Than Never عوض  رحل عن دنيانا

 
 
 
الى أين تتجه أمريكا تحت حكم ( ترمب ) ؟ !

1 هنالك عوامل متعددة أدت الى نشوء النازية و قبولها في المجتمع الألماني، أهم تلك العوامل كما يقول المؤرخون - و اتفق معهم - هي اتفاقية ( فرساي ) عام 1919م  التي عقدت بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى و ت

 
 
 
شهر تاريخ السود في كندا

Black History Month 1 يعتبر شهر فبراير واحد من الشهور المميزة في الروزنامة الكندية، ففي هذا الشهر الذى يهل علينا بعد غدا، يتم الاحتفال بإنجازات الافارقة الكنديين الذين ساهموا تاريخيا في ترقية و تطور ا

 
 
 

تعليقات


bottom of page