top of page
بحث

الأستاذ عوض الكريم محمد الزبير

  • Adnan Zahir
  • قبل يومين
  • 4 دقيقة قراءة

  

( أبو دقن ) !


1

تأبطت و أنا أكتب عن صديق العمر الراحل عوض الزبير، المثل الروسي الذى يقول ( خيرا أن تتأخر عن لا تأتى أبدا ) و الذى يماثل القول الإنجليزي السائر

Better Late Than Never

عوض  رحل عن دنيانا في 10- 10- 2020 بشكل سهل، مبسط و سريع كأحد حكاويه الكثيرة المبدعة و هو يلقيها على تلاميذه الكثر . قال لي صديقنا المشترك و ( نسيبه ) عمر المكرب ( انه كان عاديا و لم يكن مريضا.  مرض فجأة صباح ذلك اليوم، ذهبنا به الى مستشفى أمدرمان ثم نقلناهوا الى مستشفى بحرى ليتوفى مساءا .  دفن في مقابر حمد النيل وقد جاء الى تشيعه جمع غفير نادرا ما تشهده تلك المقابر الواقعة غرب امدرمان ).

الأستاذ عوض ود أمدرمان بامتياز رغم تنقله بحكم عمله بالتدريس في كل مدن السودان و ارجائه. تعرفت عليه عن قرب بحكم مشاركتنا السكن في الحى الواحد هو في الجزء الغربي من زلط الموردة و أنا في الشرقي منه بالقرب من زلط البحر، كان ذلك في ستينات القرن الماضي.

عوض الكريم درس المدرسة المتوسطة في الاهلية امدرمان و اجتاز امتحان الدخول للثانوي العالى و لكن كان عليه أن يدفع رسوم الدراسة كاملة فقرر الالتحاق بمعهد ( تدريس الدلنج ) و أكمله ليتخرج مدرسا للمدارس الأولية.

بحكم عمله فقد جاب معظم مدن السودان، و لكن مدرستين كان يحكى عنهما على الدوام مدرسة ( كندرمة ) بجبال النوبة و مدرسة الجزير ( أبا ) ، و التي كان بها عندما قام جعفر نميري بضرب الجزيرة أبا بالطيران المصري ،الذى كان يقوده وقتها الضابط حسنى مبارك، و الذى أصبح فيما بعد رئيس لجمهورية مصر العربية. اضطر عوض في تلك الظروف للخروج من الجزيرة أبا راجلا و مشى لمسافات بعيدة حتى العودة لأمدرمان.

 


2

عوض الزبير كان موسوعي المعرفة و مثقفا من الطراز الأول و ساخرا بشكل مدهش و تلك ظاهرة يمتاز بها عدد كبير من سكان الموردة مما يستوجب الكتابة عنها.  عندما تعرفنا على بعضنا عن قرب جمعت بيننا اهتمامات مشتركة، وهى حب القراءة و الكتب و التعرف على الثقافات المختلفة، لعب كرة القدم ، مشاهدة الأفلام و دخول السينما، حب الموسيقى خاصة موسيقى الجاز و شرحبيل أحمد، الاستماع الى الندوات الثقافية و الأدبية و كانت العاصمة و امدرمان تحديدا في حالة فوران ثقافي و سياسي في ذلك الوقت.

امتلكنا و قرأنا كل دواوين محمود درويش و سميح القاسم ، صلاح عبدالصبور، عبدالوهاب البياتى، الجيلى عبد الرحمن ، الفيتورى ، محمد المكى أبراهيم ، صلاح أحمد إبراهيم، كجراى. اتجهنا بعد ذلك الى قراءة الفكر الوجودي الدنماركي كير كيغارد،  بول سارتر، البير كامى ، سيمون دى بفوار و فرانسس ساغان كنا نلتهم الكتب التهاما يعقب ذلك النقاش المكثف و التفسيرالبكر للظواهر.

بعدها قمنا بالتهام الأدب العالمي لكل الكتاب المعروفين ثم الأدب السوفيتى بشكل عام، ثم بدايات الكتب التي تقوم بتقديم الماركسية بشكل مبسط. في تلك الفترة تعلقت بالماركسية ووقف عوض على بابها دون الولوج اليها. في هذه الفترة كنا نهتم بجماعة ( أبا دمالك ) شعرائها و كتابها ثم حضور ندوات الحزب الجمهوري التي كانت تعقد في دورهم بالموردة، احدهما كان في منزل ( زغل ) بالقرب من منزل الموسيقار علاء الدين حمزة و الآخر في منزل كان يستأجره الأستاذ حسن نجيله بالهاشماب و كان مقابلا لمدرسة الدايات من الجهة الغربية و بالقرب من نادى الهاشماب لاحقا. في هذه الفترة كان عوض مهتما بالفكر الجمهوري و قرأنا سويا جميع اصدارتهم مع الاستماع باهتمام الى المفكر محمود محمد طه.

لعبنا سويا في فريق ابوعنجه في عصره الذهبي مع جبريل، الشيخ طه ، حسن محمد احمد ، ميرغنى حسن ، كمال عبدالوهاب ، السنى،  التجاني الماشي ، و حارس المرمى صلاح الحاج إبراهيم الملقب ( غلمار ) حارس فريق البرازيل في ذلك الوقت.

عوض الزبير كان مدرسا من طراز فريد و لا يؤمن باستخدام العنف في التدريس و بزياراتي المتكررة له و هو ناظر لمدرسة ( الأمانة ) و مدرسة  ( الرشاد ) بالقرب من المؤتمر، لاحظت تعامله مع الطلبة كأبنائه  أو اصدقاءه كما لاحظت احترامه للمدرسين الذين يعملون معه في المدرسة.  كان عوض مدرسا ممتازا للغة العربية و الدين، و لذات السبب فقد نشر مبكرا مقالات في صحيفة الأيام و الرأي العام و هما صحف لا يمكن النشر بها مالم لم تكن تملك ناصية اللغة و معرفة في مجالات متعددة.

علاقته مع تلاميذه المميزين كانت مستمرة و كانوا يزورنه في منزله بعد دخولهم لجامعة الخرطوم بشكل دوري حتى تعرفت على بعضهم.


3

علاقتي بعوض جعلتني اتعرف على اسرته عن قرب و معرفتهم فردا فردا، الوالد و الوالدة و الأخوات، زوجته حنينة، الاخوان الزبير، محمود ، قاسم ، حسن ، عثمان و أزهرى و حتى نسيبهم الخير و ابناءه و كان لعوض علاقة مميزة مع جلال ابن الخير.

  صارت صلاتي بهم مميزة خاصة الزبير اكبر الاخوة و محمود لاعب الموردة الشهير و جناح ايمن الفريق القومي و كان وقتها يسمى ( الفريق الأهلي السوداني ) و قد حكى لي كثير من القصص عن الكورة في تلك الفترة و هو يمتلك كعوض شقيقه قدرة عجيبة على الحكي، تلك العلاقة أيضا تسببت في أن يكون لنا أصدقاء مشتركين.

كنا نعشق أفلام الغرب الأمريكي أو أفلام ( الكابوى ) وكنا في فترة الاجازات نذهب الى السينما يوميا، ثم بعد العودة نستخرج كراسي لنجلس امام منزل عوض المطل على الشارع لنستمع للموسيقى في الأشرطة المسجلة و الونسه حتى انصاص الليالي !!

عوض الكريم محمد الزبير كان مزيج من المعرفة العميقة ، الود الصادق ، التعامل الراقي مع طلبته، متدين بشكل متزن دون تطرف، متعافي السلوك و مدمن على القراءة بمختلف مجالاتها.....له الرحمة و المغفرة و الجزاء الحسن، بقدر ما منح و قدم لهذا الشعب السوداني في مجال تخصصه و هو التدريس.

 

عدنان زاهر

2 فبراير 20262026

 
 
 

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
الى أين تتجه أمريكا تحت حكم ( ترمب ) ؟ !

1 هنالك عوامل متعددة أدت الى نشوء النازية و قبولها في المجتمع الألماني، أهم تلك العوامل كما يقول المؤرخون - و اتفق معهم - هي اتفاقية ( فرساي ) عام 1919م  التي عقدت بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى و ت

 
 
 
شهر تاريخ السود في كندا

Black History Month 1 يعتبر شهر فبراير واحد من الشهور المميزة في الروزنامة الكندية، ففي هذا الشهر الذى يهل علينا بعد غدا، يتم الاحتفال بإنجازات الافارقة الكنديين الذين ساهموا تاريخيا في ترقية و تطور ا

 
 
 
استخدام القضاء سياسيا !!

بدء محاكمة قادة سياسيين مع عسكرين يتبعون للدعم السريع في بورتسودان بتاريخ 19 يناير 2026 ، يعتبر تصعيدا و تعقيدا للوضع السياسي في  السودان، المنهك أصلا و المليء بالعقد. كما يتضح و يلاحظ ان توقيت المحاك

 
 
 

تعليقات


bottom of page