top of page
بحث

استخدام القضاء سياسيا !!

  • Adnan Zahir
  • 25 يناير
  • 4 دقيقة قراءة

 

 

بدء محاكمة قادة سياسيين مع عسكرين يتبعون للدعم السريع في بورتسودان بتاريخ 19 يناير 2026 ، يعتبر تصعيدا و تعقيدا للوضع السياسي في  السودان، المنهك أصلا و المليء بالعقد. كما يتضح و يلاحظ ان توقيت المحاكمة قصد منه ليس فقط تعطيل أي مسعى للسلام ، لكن الهدف منه الى جانب ذلك إرهاب المعارضة و ضمان صمتها، و يأتي ذلك ضمن خطة للمحاكمات الجائرة والتي تفتقر لأبسط قواعد العدالة ،و هي محاكم تمارس اجراءاتها هذه الأيام في عدد من مدن السودان المختلفة .

وجهت النيابة الى المتهمين البالغ عددهم 201  تهم يبلغ عددها الثامنة عشر تهمة، تحت ثلاث قوانين هي القانون الجنائي لعام 1991 ، قانون مكافحة الإرهاب لسنة 2001 ثم قانون مكافحة غسيل الأموال و تمويل الإرهاب لسنة 2014  و تلك تهم من الصعب جدا جمع أدلتها  أو اثباتها.

 و كما هو معلوم مما جرى عليه العمل في القضايا الجنائية في جميع أنظمة العدالة في العالم، أن تحرص النيابة مع الأجهزة المختصة على تحضير قضية اتهام صلدة يصعب التشكيك في بيناتها حتى لا تشطب أو تنهار في أول امتحان جاد لها داخل المحكمة. من الواضح جدا ان الاتهام في هذه الدعوى الجنائية و من خلال استعجاله المفضوح لإدانة المتهمين يعتقد ان كثرة التهم و مواد الاتهام الموجهة للمتهمين تؤدى قطعا الى الادانة !!!

من الملاحظات المهمة في المواد التي وجهت للمتهمين و هي المواد 21 ،22 ،25 ،26 ، 50 ، 15 ،58 ،65 ،186 ، 187 ،188 ،189  و 191 من القانون الجنائي لسنة 1991 ، و تشمل تلك المواد اثارة الحرب ضد الدولة، التحريض على التمرد ، جرائم الحرب، جرائم ضد الإنسانية و جرائم الإبادة الجماعية.

كما وجهت لهم تهم بموجب المواد المواد 5، 6  و 10 من قانون مكافحة الإرهاب و هي مواد تتعلق بتعريف جريمة الإرهاب، العقوبة عليها و من ثم حظر المنظمات الإرهابية، اضافة الى كل ذلك فقد وجهت لهم المادة 35 من مكافحة غسيل الأموال و تمويل الإرهاب لسنة 2014  و هي مادة تتعلق بمراقبة تحرك الأموال والمشتبه الحصول عليها من غسيل أموال او تستخدم لدعم منظمات إرهابية و تقوم بذلك العمل وحدة تابعة لجهاز وطني استخباراتي مستقل يعمل ضمن هيكل بنك السودان و لها سلطات واسعة .

هنالك ملاحظتان الأولى ، ان هذه المواد فضفاضة الصياغة، و ذات عقوبة رادعة تصل الى الإعدام و السجن المؤبد مع تجريد الأموال و حجزها . الغرض واضح محاولة تصفية المعارضة او ارهابها في وقت تخضع فيه السلطات العدلية بالكامل للسلطة التنفيذية.

الملاحظة الأخرى، ان هذه المحاكمة ( العشوائية ) ضمت متهمين عسكري ين يحملون السلاح ضد الدولة، و آخرين مدنيين لم يحملوا سلاحا ضد الدولة مما يعزز قولنا بان هذه المحاكمة سياسية بامتياز.

2

- اتسم و تميز تاريخ السودان الحديث بعد الاستقلال بالانقلابات العسكرية التي دأبت و داومت على مصادرة الديمقراطية و الوقوف ضد اقامة الدولة المدنية. قد بدأ سيل الانقلابات عندما استلم عبود السلطة في 17 نوفمبر  1958 و ذلك بعض احتجاجات في بعض المدن السودانية و عزم حزب الشعب الديمقراطي التصويت في البرلمان لإسقاط حكومة حزب الامة.

 و قد تم الانقلاب في نفس تاريخ انعقاد جلسة التصويت و هو 17 نوفمبر 1958، و اصدر السيد عبدالرحمن المهدى بيانا يؤيد فيه الانقلاب و في نفس التوقيت و بالتزامن مع بيانه أيضا أصدره السيد على الميرغني بتايد الانقلاب ، لذلك يقال ان عبدالله خليل هو من أوعز لعبود باستلام السلطة !!!

- حرصت الحكومات الانقلابية المتعاقبة على شيئين تقوم بفعلهما و هما، مصادرة الديمقراطية و تحجيم دور القضاء و تمكين السلطة التنفيذية على المؤسسات العدلية. فقد قامت حكومة عبود منذ يومها الأول بتعطيل الدستور، حل البرلمان، حل الأحزاب، منع التجمعات و المواكب و المظاهرات كما قامت بحل النقابات، و توجت كل ذلك بفرض قانون الطوارئ ثم صدر قانون دفاع السودان الذى يعاقب بالسجن و الإعدام.2

ثم قامت محاكمها العسكرية و غير العسكرية و خلال ست أعوام بإصدار عقوبات ضد المعارضين لها بلغت احكامها 600 عام و بلغ عدد المعتقلين 700 شخص.3

- نظام انقلاب مايو ( 1969 – 1985 ) نسخة أعنف من انقلاب عبود مارس القتل، التعذيب ، التشريد كما مارس انتهاكات طالت الحرمات و الاعراض، ثم اصدر قوانين سبتمبر التي تسمى إسلامية و التي قصد بها اذلال المعارضة ثم توج كل ذلك العنف المنفلت باغتيال المفكر محمود محمد طه -  الذى مرت ذكرى اغتياله اعداما في 18 يناير1985 الجاري -  أي قبل قيام الثورة أبريل بثلاث أشهر في ابريل 1985 التي أطاحت بنظام السفاح نميري.

- ثم جاء انقلاب عمر البشير الذى سمى بالإنقاذ 1989، و هو من أسوأ الفترات في حكم السودان ، فرضت فيه قوانين لم يشاهدها السودانيون منذ العهد التركي و لا تزال اثارها باقية في المجتمع السوداني في الممارسة و السلوك و القيم الرذيلة،  الفساد، و اللصوصية و كل المساوئ التى تم توطينها تحت مظلة الإسلام. و عندما قام البرهان بانقلابه الذى هو نسخة بلون جديد من الإنقاذ، ظلت تمارس فيه كل ما كان يقوم به نظام عمر البشير و بشكل اسوا مستغلا، فيه ظروف الحرب الدائرة مع ( جنينهم ) غير الشرعي الجنجويد و الذى يعانى من ويلاتها السودان اليوم.

3

ماذا يحدث  للدولة و المواطنين عندما يعطل العدل و يغوض ؟!

و قد أجاب الفيلسوف ابن خلدون في ( مقدمته ) على ذلك السؤال العميق قائلا ( الظلم مؤذن بخراب العمران ) !

قال ذلك قبل عشر قرون أو يزيد فهو ولد في الاندلس 27 مايو 1332 و توفى في العام 1406 .

بكلمات أخرى و محاولة لتفكيك رأى ابن خلدون فهو يعنى عندما ( تُسيس العدالة ) و يصبح القانون و الأجهزة المناط بها تنفيذ القانون، مطية في يد السلطة التنفيذية، عندها يفقد المواطن ثقته بالقانون و عدل مؤسسات الدولة، تنعدم المساواة امام القانون و يصبح اللصوص و القتلة هم من يقومون بتسيير مؤسسات الدولة و السيطرة عليها.

 تكثر الجرائم و تعم الفوضى المجتمع و تنعدم الطمأنينة و الأمان ، يلجأ المواطن لتحقيق العدل بأساليبه الخاصة  فتنتشر الفوضى في المجتمع، ثم يلجأ المواطن الى حضن القبيلة للبحث عن الأمان ، عندها تنتشر النزعة العنصرية بين أفراد المجتمع..... و كل تلك المظاهر مؤشر لانهيار الدولة و تفككها.

المراقب بحيادية الا ما يحدث في المجتمع السوداني اليوم يصل الى نتيجة مفادها ، أن هذا النظام الحاكم و الطرف الذى يحاربه لا علاقة لهم بالعدل داخل المجتمع. يتمظهر ذلك في المحاكمات التي تجرى اليوم في بورتسودان و غيرها من المدن من جانب الطرفين.

 و الحل واحد لا بديل له فهو التوحد في الجبهة الجماهيرية العريضة و الرمي بهذا النظام الجائر الى مزبلة التاريخ .

 

عدنان زاهر

25 يناير 2026

 

مصادر

من التأسيس الى التجديد – أضواء على تجربة الحزب الشيوعي السوداني- عبد القادر إسماعيل أحمد

معالم في تاريخ الحزب الشيوعي – د محمد سعيد القدال

الديمقراطية في السودان – محمد أحمد محجوب

 
 
 

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
الأستاذ عوض الكريم محمد الزبير

( أبو دقن ) ! 1 تأبطت و أنا أكتب عن صديق العمر الراحل عوض الزبير، المثل الروسي الذى يقول ( خيرا أن تتأخر عن لا تأتى أبدا ) و الذى يماثل القول الإنجليزي السائر Better Late Than Never عوض  رحل عن دنيانا

 
 
 
الى أين تتجه أمريكا تحت حكم ( ترمب ) ؟ !

1 هنالك عوامل متعددة أدت الى نشوء النازية و قبولها في المجتمع الألماني، أهم تلك العوامل كما يقول المؤرخون - و اتفق معهم - هي اتفاقية ( فرساي ) عام 1919م  التي عقدت بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى و ت

 
 
 
شهر تاريخ السود في كندا

Black History Month 1 يعتبر شهر فبراير واحد من الشهور المميزة في الروزنامة الكندية، ففي هذا الشهر الذى يهل علينا بعد غدا، يتم الاحتفال بإنجازات الافارقة الكنديين الذين ساهموا تاريخيا في ترقية و تطور ا

 
 
 

تعليقات


bottom of page