" كوشة الخواجات " ذكريات " ’دقاقة " !
- Adnan Zahir
- 31 مارس 2021
- 3 دقيقة قراءة
الذاكرة فى معظم أحوالها عابثة، أحيانا يحدد جموحها و تشابيها الرغبات و الأمنيات العصية...... و فى أحيانا أخرى هى محاولات لأستجداء الماضى فى محاولة زائفة للاحتماء به من حاضر زئبقى !.......ذلك التداعى المتسم عقلانية ورد بذهنى حينما توسطت و " توهطت " مركز دائرة ذكرياتى " كوشة الخواجات " !
فى " حينا " و فى أحياء أخرى متعددة فى مدينة أمدرمان و فى النصف الثانى من خمسينات القرن الماضى و ستيناته ، كانت مجموعة الصبية تنقسم الى ثلاث مجموعات....كبار السن وهم متصدرى القيادة ، ثم متوسطى الأعمار و صغار السن .رغم الالتقاء والأختلاط بينهما فى كثير من الألعاب التى سمحت بها حياة تقارب " الشيوع " فى تلك الأحياء ، الا أن كل ذلك كانت تحكمه ضوابط وحدود يصعب تجاوزها ، تخطيها أو القفز فوقها .حافظنا فى "حينا " على ذلك التسلسل القيادى التقليدى دون جبر، فى تشكيلاتنا الصبيانية .
" حينا " الذى يحاذى النيل كانت تجاوره منازل حكومية يسكنها بعض المعلمين الأنجليز، الذين ظلوا بها لفترة من الزمن حتى بعد أن نال السودان استقلاله ، و عرفوا وسط الناس وسكان الحي بالخواجات. وبرغم تقارب موقعي السكن فقد كانت تفصل بينهما حدود صارمة القسمات تتمثل فى تمظهرها الأقتصادى ، الأجتماعى و الأثنى-استعماري . وخلال وجودى لم أشاهد مطلقا أحدا من الخواجات داخل الحى أو حتى راجلاً و هو فى طريقه لمنزله!......كل أشكال الخدمات التى كانت تقدم الى حى الخواجات كانت تختلف كثيرا و نوعيا عما يقدم الى " حينا "، و قد توصلنا بالمشاهدة و المعاينة أن هنالك فروقا بائنه عجزت عقولنا البضه عن تفسيرها أو القبض على جذورها . أذكر من تلك الفروقات نقل النفايات والتى يتناولها هذا المقال . كانت النفايات توضع فى برميل ضخم من الحديد لا يبعد كثيرا من منازل الخواجات، ليقوم بنقلها يوميا خارج حيهم و فى الصباح الباكر فريق من العمال خصص لتلك المهمة .
كانت واحدة من مهام مجموعة الصبية الكبار فى الحى و فى أوقات فراغهم خاصة العطلات، مهاجمة " كوشة الخواجات " و نبشها للحصول على أى شئ ذو قيمة أو فائدة . تلك الممارسة يبدوا انها انتقلت ألينا من الجيل الذى سبقنا وأصبحت تقليداً متعارفا عليه ، ظل في طي الكتمان لا تعلم عنه الاسر شيئاً.
لا أحد من من المجموعة يستطيع رفض المشاركة فى تلك الغزوات الخاطفة، لأن نتيجة الرفض هى الأستخفاف به ، العزل والكلمات الجارحة التى تمُس الرجولة تنهال كالسياط ( يا زول أنت ما راجل ) !
كانت أهم ما تجود به كوشة الخواجات، هى دمية ل " دب " قديم و متهالك، قطة من البلاستيك فاقدة لعيونها وأرجلها أو كلب من " الجبص " ناقص الأعضاء........و لكن بالمقارنة بلعبنا التقليدية المصنوعة من بقايا الملابس القديمة ، الخشب ، " الشرابات " الممزقة، مخلفات الحديد التالف.....كانت "نفايات " الخواجات تنال الرضا الممزوج بالفرح !!
ما توصلنا اليه لاحقا عند النضوج و الذى لم تتوصل اليه عقولنا البضة فى ذلك الزمن البعيد، ان الخواجات كانوا يعلمون علما تاما بتلك الغزوات و يحرصون عل استدامتها و متابعتها، لأنها فى نهاية المطاف تعكس وتأكد على تميزهم و تفوقهم العرقى و الثقافى !.....كانت رغبتهم الدفينة أن تكون " كوشة الخواجات " هى أقصى ما تتطلع اليه شعوب المستعمرات ، وقائع التاريخ فى أنحاء متعددة من العالم تؤكد ذلك !!!
مع كل هذا الحكى عن المستعمر ولا معقولية الممارسة......لكنها رغم ذلك تعكس طراوة الطفولة ، خضرتها و براءتها الأولى !
مارس 2021
كوشة : المكان الذى تجمع فيه النفايات
الخواجة : الرجل الأروبى و أصلها فارسية، فى السودان أيضا تطلق على الرجل الغنى أو الوجيه
د عون الشريف قاسم – قاموس اللهجة العامية فى السودان
دقاقة : الصغيرة

تعليقات