سيرة مقتضبة لعم صالح " الحقاني " !
- Adnan Zahir
- قبل 4 ساعات
- 4 دقيقة قراءة
رحل عن الدنيا بهدوء كما جاء اليها دون جلبة أو ضوضاء، قال لي و هو يحكى عن حياته ( جيت الخرطوم بعد انتهاء الحرب الكبيرة التانية، وقف القطار في محطة ( سوبا ) ، قام الانجليز بإنزالنا من القطار و تم غسلنا بخراطيش المياه ثم سمح لنا بالدخول الى العاصمة ) !!
هل غُسل المواطنين السودانيين القادمين الى الخرطوم هو حرصاً على النظافة أم عنجهية المستعمر ؟! هؤلاء الفرنجة يدعون انهم يخافون على حياتهم مما تحمله أجساد أولئك القوم من أمراض !....لكن مهما كانت دوافعهم المعلنة أو المضمرة المخفية فالاحترام والكرامة الإنسانية ل ( أسياد البلد ) لم تكن في حساباتهم.
لاحظت انه يأكل من الطعام قليله لذلك كان نحيف الجسد! عندما سألته عن السبب ذكر لي ( عملوا لي عملية " التواء " ، كنت بين الحياة و الموت لمن ودوني مستشفى الخرطوم. الدكتور استغرب على انى لا زلت حيا اتنفس !....قام بقطع ثلاث أرباع مصاريني و هسع أهو أنا عايش بالربع المتبقي، ده السبب المانعنى من الأكل الكتير ... يا ولدى البطن بقت رهيفة بالحيل ).
ذلك الفتح و التجريب من الطبيب المستعمر - المبنى على الاستهانة بحياة البسطاء – و الذى استدعى استئصال ثلاث أرباع مصارين العم صالح قد ساهم بشكل أو آخر في بقاءه على قيد الحياة !!
أصول العم صالح ترجع الى دارفور قبيلة ( البرقو ) و هي من القبائل ذات الأصول الأفريقية هنالك مثل الفور، الزغاوة ، المساليت..الخ، و يتواجدون في الغرب، الجنوب و الشمال و لهم كثافة سكانية مؤثرة في نيالا، كما يزاولون الزراعة، التجارة و الاهتمام الكبير بالخلاوي القرآنية.
اسمه بالكامل صالح عبدالله البرقاوى " عشا البايتات " ، زوجته ( أمونه ) الودودة كانت تبيع الطعمية لأطفال الحى. رجل دين و تقوى لا يأكل المال الحرام و لا يتسبب بضرر للآخرين.
يقوم في أوقات فراغه بكتابة الرقى، التمائم و الحجبات للناس البسطاء أصحاب المصالح المهضومة، و لا يأخذ نقودا مقابل ذلك. الأشخاص الذين يأتون اليه كانوا مؤمنين بما يكتب و يفعل، فهو يكتب صحيح القرآن في الرقى و الحجبات.
صديقه " فكي " محمد الذى أتى به عم صالح لتقيد دعوى لإخلاء منزله المستأجر في ( الحاج يوسف ) ذكر لي قائلا ( عمك صالح ده أصعب منى في كتابة الحجبات و " البخرات "، لكنه يأكل بالحلال و لا يضر الآخرين ). فكي محمد كانت ترسل اليه من قبل الأمراء السعوديين طائرة خاصة لإحضاره للسعودية لكتابة الرقى و الحجبات عندما تلتبس عليهم الأشياء، تداهمهم قضايا الوجود و المجهول التي تقف أموال النفط عاجزة عن حلها !!
سألت فكي محمد في احد المرات و أنا أناقشه في شئون قضيته و كلمة " الدجل " تطغى على كل مساحة ذهني و مجاهدا كي لا تبدوا على ملامحي مظاهر السخرية و تجاوز الاحترام العامر بيننا ( لماذا لا يستخدم البخرات و الاحجبة لإخلاء المستأجر من منزله دون اللجوء الى مساعدتي و هو يعمل على قضاء حاجات الناس داخل السودان و خارجه ) ؟!
رد علئ دون غضب قائلا في مكر و بعض من الخبث ( شغل قانون ده و لا نعرفا ) !
ضحكنا سويا.
عم صالح عرض علئ في احد المرات و هو يقوم بزيارتي و كان يعلم بمضايقة الأجهزة الامنية و اعتقالهم لي عدة مرات ( دعني أقوم بكتابة حجاب تلبسه على ذراعك و لن يستطيع أحدا بعد ذلك اعتقالك )!!
عندما رأى ابتسامة السخرية و الاستهانة المرتسمة على فمي سألني مفاجئا ( ماذا فعلت بالجلابية التي احضرتها لك زوجتك و انت معتقلا ) ؟
قلت له متضايقا....انى لم أكن في حاجة اليها و أنا أمتلك عدد كثير من ( العراريق ) فأعطيتها لمن هو أكثر حاجة من المعتقلين.
سألني في إصرار مرة أخرى ماذا حدث له ؟!! ....اجبت في دهشة و حدة ( ماذا حدث له ؟!! لقد أطلق سراحه قبلي ).
قال مواصلا حديثه في هدوء ( كنا نقرأ على تلك الجلابية ( الألفية ) و نسبح عليها في الليل و النهار ،نحن مجموعة من الرجال الصالحين حتى انقطع خيط المسبحة و تبعثر لالوب الالفية في أرجاء المكان، ثم ارسلناها لك بعد ذلك كي يتم الافراج عنك......أهو صحبك إتخارج) !
رددت عليه في برود إنجليزي ( ذلك الشخص لم يكن صديقي، بل لم يكن سياسيا و تم اعتقاله نتيجة بلاغ كيدي من زوجته اللعوب، و عندما نال كفايته من التعذيب من أفراد الأمن أصحاب زوجته، تم اطلاق سراحه ) !
لم يستسلم العم صالح و قال ( هذا الحجاب الذى سوف نعده لك يمكنك تجريبه، قم بلبسه ثم أصعد الى منبر الجامع و لن يراك أحد من المصلين ) !!...رفضت طلبه هذه المرة بلطف.
عندما تعرفت على العم صالح بواسطة أحد أفراد أسرتي ثم ساعدته في كثير من المسائل القانونية صار يكن لي احتراما و محبة خاصة. حدث ذلك التعارف و هو الخامسة و الأربعين و بعد مضى كثير من السنين لم تتغير هيئته ....يقول عامة الناس انه من الصعب تقدير عمر أهلنا ( الغرابة ) بعد سن الستين عام فهم لا يهرمون....لعلها طيبة ذلك القوم الناتجة من التصالح مع الذات !
اقربائه يقولون انه كان يعمل في البناء، لكن عندما تعرفت عليه كان يعمل غفيرا بإحدى المدارس الحكومية. غفير المدرسة كان مناط به اغلاق الفصول و أبواب المدرسة بعد انتهاء الدراسة خوفا من سطو اللصوص عليها. هنالك قصص كثيرة تُحكى في المدينة عن تعدى اللصوص بعنف على حراس المدارس متقدمي العمر نسبيا، و كاد ذلك العنف أن يؤدى بحياة البعض منهم.
عم صالح كان لا يهاب أحد و لا يعرف الخوف الى قلبه سبيلا....ذكر لي ( عندما أقفل المدرسة و الفصول أقوم بقراءة المعوذتين....بعد صلاة العشاء أرقد على " عنقريبى الهبابى " ...عكازى " المضبب " جنب رأسي و سكيني في ضراعى الشمال و البطارية تحت رجلى....عندما أسمع أي حركة أفتح عليها نور البطارية ).
عم صالح لم يتعرض في عمله لحادث غير مرة واحدة ( سمعت الآذان وقت الدقش بأذن، قلت أقوم اتوضأ و أصلى الصبح ....فجأة سمعت حركة جنب الحيطة، عندما كشفت النور عليها كان هنالك اتنين من الحرامية قاعدين في الحيطة و شايلين عصى و سكاكين و بعاينوا لى. ضربوا على نور بطارية شايلنها.....قمت مشيت عليهم سكين الضراع معلقة في كتفي الشمال و في أيدى اليمين عكازي المضبب. كاشفين نور البطارية في وشى عيوني ما رمشت و أنا ماشي عليهم......واحد منهم قال لأخوه" الزول ده عيونو عيون دواس و موت ساكت " أحسن نتخارج....تلبوا من الحيطة و جروا ) !
افادة أخيرة
عم صالح لم يمرض، كان في التسعين من عمره عندما آتى ذلك الصباح من عمله الليلى....توضأ، صلى الصبح ثم فطر و نام. عند محاولة ايقاظه لصلاة الظهيرة وجدوه قد فارق الحياة.
لا زلت أُسائل نفسى :
عم صالح قتله الزمن ....أم سرقه الموت ؟!!
عدنان زاهر

تعليقات