top of page
بحث

سجن " شالا " مرة أخرى !

  • Adnan Zahir
  • قبل 4 ساعات
  • 3 دقيقة قراءة

 

1

 

أعود مجددا للحديث عن سجن ( شالا ) بعد المقال الذى نشرته في ( سودان للجميع ) في 8 مارس 2008 بعنوان ( تفاصيل يوم مكرر في شالا ). السبب هو خبر أوردته أخبار ( الحدث ) بأن الجنجويد يحتجزون 9000 مدنى في ذلك السجن البعيد توفى منهم حتى الآن 300 شخص. يقول الخبر ان الجنجويد يتباطؤون في نقل الجثامين حتى يؤدى تعفنها الى إصابة المعتقلين الآخرين بأمراض مختلفة، و تلك جريمة أخلاقية و جنائية سوف اتناولها لاحقا.

 يقع سجن شالا في الجنوب الغربي على بعد 15 ميلا من الفاشر في منطقة صحراوية بعيدة من المناطق السكنية، و يقال ان السجن تم تشييده زمن حكومة الجنرال عبود عندما ضاق سجن ( الخير خنقا ) بالمسجونين. سجن الخير خنقا كان في الأصل مكانا لحفظ واردات السلطان على دينار قبل تحويله الى سجن. الاسم يعنى ان المخزن كان عامرا و مليئا طوال العام بمختلف الأشياء القيمة. بعد تشييد سجن ( شالا ) ، أصبح سجن ( الخير خنقا ) خاص بالنساء المسجونات ، كما أصبح مكانا لتنفيذ عقوبات الإعدام.

 الاسم شالا ينسب الى قصة شعبية تقول ( ان تلك المنطقة كان من يذهب اليها لا يعود مرة منها مرة أخرى، لان المرفعين يقوم بأكله )، لذلك يقول المواطنين  عند اختفاء شخص في تلك المنطقة ( مرفعين شالا ) يعنى خطفه المرفعين و قام بالتهامه.

 السجن في العادة استخدم لسجن عتاة المجرمين، لكن الأنظمة الديكتاتورية كانت ترسل اليه المعتقلين السياسيين الذين يعارضونها، و ذلك لنفيهم بعيدا و قصد اذلالهم.  سجن شالا قد إشتهر بسمعته السيئة و الظروف القاسية غير الإنسانية التي يعيشها المحتجزين و المسجونين بداخله.

2

 كانت تجربتي الأولى مع ذلك السجن عندما كنت معتقلا  في سجن كوبر في العام 1991 و قامت سلطة عمر البشير الديكتاتور المعزول بترحيلنا الى سجن شالا و كان عددنا خمسين شخصا من خيرة رجالات السودان رحم الله من رحل منهم و أمد في عمر من لا زال حيا.

وفقا للخبر الذى نشرته الأحداث و بعض منظمات حقوق الانسان، تخيلت مدى العذاب الذى يقاسيه المعتقلين المدنيين بواسطة مليشيا الجنجويد في سجن شالا في الوقت الحاضر. أرى من  الافضل لتصل الصورة واضحة الى ذهن القارئ ان اعطى وصفا مبسطا للسجن. رقم اتساع مساحة السجن فالجزء المشيد منه صغير، فعندما تدخل من الباب الرئيسي هنالك بضع مكاتب للضباط ثم مساحة ضخمة بها عدة زنازين حشر فيها المساجين المصابين بأمراض نفسية وعصبية !... بعدها مساحة صغيرة لتصل الى مباني المسجونين و المنتظرين و معظمهم بجرائم قتل أو نهب مسلح.

المدخل من خلال ممر يسمى ( جرة ) معرش من السقف، على اليمين و الشمال قسمين بهما عنابر و زنازين . في كل قسم مرحاضين من الجرادل تغرف صباحا بواسطة الأيدي، و يقوم بذلك المنتظرين و تدلق خلف سور السجن لذلك رائحة السجن لا تطاق.

جحافل الذباب تهاجم المسجونين نهارا، و اذا لم تمتلك ناموسية ( أطلقنا عليها ضبانية ) فلن تستطيع الصبر و الجلوس للحظات. اما عند الأكل فيجب عليك ان تكون لاعب سيرك ماهر لكى تطرد الذباب بيد حتى لا يقع في الطعام، ثم تأكل باليد الأخرى في سرعة فائقة. اما الليل فالسجن يعج بكل الزواحف و الحشرات و بالطبع من ضمنها الناموس ضخم الحجم المتغذى بدماء المسجونين. عند النزول من السرير ليلا فيجب ان تكون حذرا حتى تلسع بواسطة احدى الزواحف. عندما تشاهد من داخل الناموسية الهوام المتعلقة من فوقها، تحمد الله انك محمى بواسطة تلك الناموسية.  

الحديث عن الماء يطول لأن كل السجن يشرب من ( فولة ) في الفاشر تشرب منها كل الدواب و الناس و يغتسلون منها.  كان الماء الذى نشربه و المخلوط بمطهر ( الكلور ) الذى قام باحضاره أسر المعتقلين هو ( كلور ) اكثر منه ماءَ. بإختصار يمكن للنزيل أن يصاب بالملاريا المستوطنة، التيفويد، البلهارسيا، اليرقان أو الكوليرا المنتشرة حالياً بناء على الأخبار الواردة من هنالك، و كما يقول المثل السائر ( الداخل هناك مفقود و الخارج مولود ) !!

في عهد البرهان و الجنجويد مع الحرب الدائرة بينهما، يعنى أن كل ما قمت بوصفه عن ذلك السجن قد تضاعف آلاف المرات. أضف الى كل ذلك بداوة تعامل الجنجويد الذين عرفوا به مع عنصرية و استخفاف بأرواح البشر جبلوا عليه.

 هل يمكن التخيل في ان ذلك الجزء من سجن شالا قد تكدس فيه آلاف المعتقلين و ترك جثامين المتوفين لعدة أيام مع المعتقلين. المدهش أن معظم جرائم الجنجويد المرتكبة موثقة بالصور و الصوت و شهادات الناجين من عنف البادية، مع الإدانات المتعددة من كل منظمات حقوق الانسان والامم المتحدة.( فولكر تورك ) مفوض حقوق الانسان ذكر قبل يومين امام مجلسه ( بأن ما حدث في الفاشر كارثة إنسانية و حقوقية كان يمكن تجنبها ) !......كما ذكرت منظمة العفو الدولية ( بأن ما يحدث في الفاشر هو وصمة عار على الضمير العالمي ) !

أخير نقول ، يجب أن لا يفلت أحد من المسؤولين عما حدث و يحدث من العقاب، لان تلك الجرائم التي يقومون بارتكابها تصنف وفق القانون الدولي ( جرائم حرب و جرائم ضد الإنسانية ). عدم المحاسبة يعنى اغتيال للعدالة و قبرها، و حين يكافأ الجلاد بالإفلات أو نسيان ما ارتكب من جرم يحكم على الضحايا بالموت مرتين.

 

عدنان زاهر

10 فبراير 2026

 

 
 
 

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
سجن " شالا " مرة أخرى !

1   أعود مجددا للحديث عن سجن ( شالا ) بعد المقال الذى نشرته في ( سودان للجميع ) في 8 مارس 2008 بعنوان ( تفاصيل يوم مكرر في شالا ). السبب هو خبر أوردته أخبار ( الحدث ) بأن الجنجويد يحتجزون 9000 مدنى في

 
 
 
أركمانى - أسامة عبدالرحمن النور

توظيف التاريخ للانصهار القومي و الاعتزاز بالهوية ! 1  الكتابة عن الملك الكوشي  ( اركمانى ) تستدعى بالضرورة ذكرى البروف الفذ أسامة عبدالرحمن النور، صاحب القدرات البحثية الاكاديمية المتعددة العميقة، و ا

 
 
 
الأستاذ عوض الكريم محمد الزبير

( أبو دقن ) ! 1 تأبطت و أنا أكتب عن صديق العمر الراحل عوض الزبير، المثل الروسي الذى يقول ( خيرا أن تتأخر عن لا تأتى أبدا ) و الذى يماثل القول الإنجليزي السائر Better Late Than Never عوض  رحل عن دنيانا

 
 
 

تعليقات


bottom of page