أركمانى - أسامة عبدالرحمن النور
- Adnan Zahir
- قبل 12 دقيقة
- 4 دقيقة قراءة
توظيف التاريخ للانصهار القومي و الاعتزاز بالهوية !
1
الكتابة عن الملك الكوشي ( اركمانى ) تستدعى بالضرورة ذكرى البروف الفذ أسامة عبدالرحمن النور، صاحب القدرات البحثية الاكاديمية المتعددة العميقة، و الذى رحل مبكرا عن عالمنا . لا أريد ان اتناول سيرته الذاتية فهي مبذولة في وسائل التواصل الاجتماعي لمن يريد الاطلاع عليها. و لكن وفى اطار هذا المقال عن الملك أركمانى او أرقمانى أريد التعرض لمواقف اسامة الصلدة و الجادة من خلال بحثه الدؤوب و العميق للكشف و التعريف بتاريخ السودان القديم الذى ظل مجهولا عمدا .
بالإضافة الى كل ذلك فللدكتور أسامة مواقف معروفه في اصراره الحفاظ و تسليط الضوء على ذلك التاريخ القديم، كشفه و تعميمه. كما له معارك مشهودة مع السلفيين الذين حاولوا و يحاولون حذف تاريخ ممالك كوش بل وتاريخ الممالك المسيحية في السودان مثل نوباتيا ، المقرة و مملكة علوه من التاريخ السوداني.
يتم ذلك بشتى الدواعي و الأسباب عرقية كانت أو دينية، و التي تمت تحت مسمى ( الخيار الحضاري ) و هم يقصدون التوجه العربي الإسلامي. بدأ ذلك النهج بحذف مادة التاريخ من مناهج التعليم، وطمس المعالم و الآثار التاريخية و تجاهلها، و حتى إغراقها من خلال اقامة خزانات أو سدود مائية في أماكن تحتوى على آثار غنية و ذاخره عن تاريخ السودان.
أركمانى
لعل افضل ما ابتدر به هذا المقال، إعطاء نبذة تعريفية و مختصرة عن الملك الكوشي أركمانى و لماذا اصدر د أسامة مجلة تحمل ذلك الاسم ؟! و هو يتناول فيها تاريخ ( كوش ) القديم.
الملك الكوشي ( أركمانى ) يعتبر من أهم ملوك كوش، حكم في القرن الثالث قبل الميلاد، و يحمل عصره و الفترة التي حكم فيها صفة ( عصر التنوير ) و اسم كوش هو اسم اطلقه المصريون والعبرانيون على تلك الممالك .
الجدير بالذكر في هذا السياق أن دولة كوش توسعت في عهد بعانخى و تهراقا حتى وصلت الى البحر الأبيض المتوسط و كانت تلك الفترة من العام 750 و حتى 664 و صارت دولة كوش و مصر دولة واحدة تحت حكم الفراعنة الكوشيون أو ( الفراعنة السود ) كما يطلق عليهم.
- اركمانى هو أول من وضع حدا لسيطرة الكهنة الكوشيون على الدولة، فقد درج أولئك الكهنة في التدخل في شئون الحكم مباشرة. و عند عدم الرضا عن الحاكم، كان الكهنة يأمرون الحاكم بالانتحار لأن الالهة غير راضية عنه . في العادة كان الملوك ينفذون فتوى أو أوامر الكهنة و ذلك خوفا من عدم رضاء الالة عنهم، و لم يشذ عن تنفيذ تلك القاعدة سوى الملك اركمانى. فعندما امر من جانب الكهنة بالانتحار لعدم تعاونه مع الكهنة و لكى ترضى الالهة عنه ، قام بتسيير جيش ضخم و قام بقتل جميع الكهنة و هكذا تم الفصل بين السلطة الدينية و الدنيوية بإبعاد الكهنة بشكل تام.
- عند انتصاره على الكهنة عمل على اعلاء راية عبادة الاله ( أبا دماك ) اله الحرب، القوة و الخصوبة عند الكوشيين، ذلك التوجه الذكي من الملك أركمانى كان يعنى الانفكاك من عبادة ( آمون ) الذى ترجع جذوره الى الثقافة الفرعونية المصرية. و بكلمات أخرى كان ذلك يعنى استقلال الثقافة السودانية عن الثقافة المصرية التي كانت مسيطرة في ذلك الوقت.
- قام الملك اركمانى بتحويل دفن الملوك من نبته بجبل البركل و الذى يشرف عليه الكهنة الكوشيون الى مدينة مروى ، ذلك كان يعنى مزيدا من التخلص من سيطرة الكهنة و البعد من التأثير المصري المباشر.
ذلك التغيير الذى قام به الملك الكوشي أركمانى، أدى الى تحول تاريخي، سيأسى، ديني و ثقافي . فقد عمل على الاستقلال السياسي للسلطة بعيدا عن سيطرة الكهنة، كما عمل على استقلالها الاقتصادي بإعادة سيطرة الدولة على الضرائب، الجبايات و الغنائم التي كان يستولى عليها الكهنة، كما ان تحويل العاصمة الى مروى أدى الى السيطرة على أهم الطرق التجارية والانتفاع مع استخدام الحديد الذى اشتهرت به منطقة مروى.
بالإضافة الى كل ذلك فقد أدى نقل العاصمة الى مروى الى نهوض اللغة المروية لتسود بعد طغيان اللغة الهيروغليفية لعدة قرون . ذلك كان بداية العصر المروى الذى اتمم تطوره الكنداكه ( امانى ريناس ) بعد ثلاث قرون. و في عهد هذه الكنداكة فقد اخذ فن العمارة يأخذ طابعا سودانيا خالصا بعد أن كان متأثرا بفن العمارة المصري.
2
الكنداكه أو الملكة الأم
Kandake
المرأة في عهد مملكة كوش احتلت مكانا مرموقا و متقدما في السلم الاجتماعي و كذلك في الهرم السلطوي، ذلك التبجيل للمرأة و الاحترام زاده اعتقاد راسخ أن الكنداكة هي ابنة الاله ( آمون ).
شاركت في الحكم مباشرة ، قادة الجيوش ثم عملت على تطوير الدول الكوشية كرمة، نبته ( كريمة حاليا ) و مروى. من المهم هنا ان نذكر اسم اثنين من الكنداكات لعبن دورا محوريا في تطور الدولة الكوشية و هن أماني ريناس و أماني تاري.
الكنداكة ( أماني ريناس ) و كان يطلق عليها الملكة المحاربة أو الملكة ذات العين الواحدة لأنها فقدت احدى عينيها في احد المعارك. قادت الجيوش ضد امبراطور روما، و اجبرته على توقيع اتفاق عادل بالسلم ووقف الحرب بين الإمبراطورية الرومانية و دولة كوش.
اما الكنداكة ( أماني تاري ) فقد اتسم عهدها بالرخاء الاقتصادي و النهضة العمرانية، و ترميم المعابد و قد سميت فترة حكمها بعصر ( مروى الذهبي ).
3
أركمانى المجلة
التاريخ...القومية و الهوية
التاريخ المكتوب و المعبر عنه في الآثار المكتشفة أو الكتابات المروية التي تم فك شفرتها ليست مادة للثقافة العامة و التباهي الاستعراضي. كتب د أسامة ما معناه الآثار هي النص المادي للتاريخ، و هي التي تثبت الوجود الحضاري للسودانيين منذ آلاف السنين و تمنح الفرد اعتزازا بالهوية السودانية. ذلك الشموخ الحضاري، يتجسد في اهرامات مروى، معابد جبل البركل و مستوطنات كرمة.
الآثار تعمل على إزالة التبعية الثقافية كما انها تحارب و تقف ضد المركزية الأوربية و النظرة الاستعلائية التي يرى مؤرخوها مثل ( لازلو تورك ) و ( ديرك ) ان الحضارة السودانية القديمة ما هي الا تابع للحضارة الفرعونية المصرية.
الآثار هي من جانب آخر توحد الوجدان القومي و المرآة التي يرى فيها السودانيون حقيقتهم التاريخية و تعمل على صقل الهوية، خاصة أن كثير من الممارسات الثقافية في أرجاء متعددة في السودان لها جذور موغلة في القدم.
يطرح البروف أسامة من خلال مجلته أركمانى ( السودانوية ) كحل لمشاكل الهوية التي كانت و لا زالت السبب في التنافر و التشتت، السودانوية تعنى تجاوز الصراعات العرقية و الاعتراف بهوية تستوعب الجميع دون استعلاء.
عدنان زاهر
6 فبراير 2026
مراجع
- أعداد من مجلة أركمانى الأكترونية
Derek and Welsby
The Kingdom Of Kush:
The Napatan And Meroitic Empires
المؤرخ المجرى ( لازلو تورك ) و كتابه
The kingdom of Kush :
Handbook of the Napatan – Meroitoc civilization

تعليقات