ست القهوة الأريترية و الشماسية " البيضا " !
- Adnan Zahir
- 25 نوفمبر 2020
- 3 دقيقة قراءة
جلس مع " الطاهر " فى مطعمه بقرب الباب يتجاذب معه أطراف الحديث،و الطاهر يقوم بتركيب خلطة البهار السحرية و السرية، التى جعلت الناس يتقاطرون من أطراف المدينه لشراء سمكه.عادة الجلوس فى السوق أكتسبها و مارسها مؤخرا عندما توصل بعد تجارب عدة ان أنسب مكان لمعرفة أخبار الحى و المدينة، و " تقليب " صفحاتها و الأطلاع الكثيف على حوادثها هو ذلك السوق !
المطعم يقع فى مدخل السوق الشمالى،يواجه شارع " الزلط " الكبير و الشارع الممتد بعرض االسوق و من مجلسه الاستراتيجى بقرب الباب كان بأمكانه مراقبة الداخلين للسوق،العابرين بقربه و ما يجرى بداخله من أحداث.قال لنفسه، أن تقادم السنين بدأت تظهر على تضاريس السوق بشكل " كاشف "، كان يعلم أن آخر اصلاحات شملت السوق تمت قبل ثلاثين عاما فى زمن الديكتاتور الثالث عندما آراد مريديه الاستيلاء على السوق لموقعه الفريد، لكن عندما جوبهوا بمقاومة ضارية من أهل الحى، رفعوا ايديهم.... و تركوه ليموت سريريا.
سرح ببصره و هو يتابع " الشماسة " المنتشرين فى أطراف السوق و هم يشاكسون جروا صغيرا يعيش بينهم.لاحظ تزايد أعداد الشماسة بشكل كبير، لكنه كان يعلم انهم جزء مهم و مكمل لطوبغرافية هذا السوق، فهم ينامون بقرب الدكاكين ليلا و فى أزقتة الضيقة ، نمت شكل من أشكال العلاقة ذات المصالح المتشابكه بين مالكى الدكاكين و المطاعم من جانب و الشماسة من الجانب الآخر. هم يقومون بحراسة تلك الابنية المتهالكة ليلا من اللصوص كما لا يضايقون رواده، نظير طعام بسيط يقدم لهم خلال اليوم يتكون من الخضراوت و الفواكه التالفة و بعض من فضلات المطاعم التى يخلفها روادها.
حكى لى الطاهر أن حياتهم الأجتماعية يسودها النظام و التضامن،فى أحد المرات أدخل أحد الشماسة السجن فى جنحة مشاجرة و كانت زوجته حبلى و فى احدى الليالى عندما جاءها الطلق أخذوها الى مستشفى الولادة ثم صاروا يصرفون على كل احتياجاتها حتى خروج زوجها من السجن!
شلة عبدالله المتميزة بتكوين عضويتها ميسورى الحال تجلس من خلفه و لم يكن باستطاعته مشاهدتها من موقعه ذلك ، لكن يعلم انها تتمدد و تنتفخ من المنضوين الجدد اليها، حتى قاموا باستئجار بائعة قهوة " حبشية " تعمل خلال اليوم على خدمتهم فقط ! !
شلة الترزى الذى لا يعرف له عمرا، كانت تشابه نهر النيل فى حركتها، وفقا لتعاقب الفصول تزيد ثم تنكمش حسب التساهيل...... لكن لا زالت متمسكة بعوامل بقاءها.تأمل بكسل بائعات الفول ( سعدية و هاجر ) ذوات الأصول " النيجرية " و الذى يشترى منهما الفول المدمس لقعداته العامرة......قال لنفسه انهن لا يزالن يمارسن عملهن باخلاص و مهنية عالية.
دارت بذهنه كل تلك الخواطر و هو يجلس أمام مطعم الطاهر منتظرا لفنجان قهوة منتصف النهار، الذى داوم على شربه من ست الشاى " سكينه " الأرترية السمحة التى تسيل أنوثة. قهوة سكينه كانت تجبر الرأس و الفؤاد معا، فهى تمزجها بتعامل رقيق و ظريف مع الزبائن أكسبها ود الجميع.سألت الطاهر عنها فقال
( ظهرت فجأة فى السوق ب " عدة " شاى تحملها،بدأت العمل....... و لجودة قهوتها ، جمالها وظرفها فى تعاملها مع الناس قبلت فى رهط الحى الذى يتسع صدره لقبول الآخرين......خاصة ذوى المواهب المتفردة، بالمناسبة ما تشوف مشاغلتى ليها تقوم تفتكرانها فاكه.... دى زوله سلوكها منضبط ) !!
وصلت سكينه ....وضعت القهوة أمامى ثم نظرت بغنج الى الطاهر الذى لم يتأخر فى مخاطبتها قائلا
(وين انت يا منقه )؟!
ردت ( اهلا يا عسل )!
ضحك الطاهر... ضحكت أنا و ضحكت هى... ضحكة موسيقية جعلت السوق يتمايل تحت أقدامنا...
لم تبارح مكانها عائدة الى مقرها،أحسست انها تريد أن تبوح لنا ببعض حكايات السوق المستحدثة كعادة البائعين و البائعات فى الأسواق و الحواري !!
قالت بلكنتها الأرترية ( انت عارف يا طاهر...امبارح فى واحدة بت جديدة جات و أتلمت على الشماسة فى السوق )...سكتت لأثارة الأهتمام
فهم الطاهر الخبير فى تعامله مع النساء فى ذلك المكان الأشارة، فواصل الحديث معها ( دى من وين كمان جات )؟!
( قالوا من سنار ...بت سمحه عيونه كبار و كمان " بيضا " )...مع التشديد على كلمة " بيضا "!!
ساد صمت قطعه الطاهر قائلا بخبث متصنعا عدم اللباقة فى الحديث (جات من أمبارح .....انت عارفه يا سكينه هسع الشماسة الكبار ديل بكونوا " فتحوها " )!!
لم ترد سكينه على قوله الفج .. .....تصنعت الخجل الممزوج بالغضب و الأمتعاض ثم استدارت عائدة الى مكانها.
انتبهت لأول مرة ان كل الشماسة من الجنسين و الذين يتراكضدون من حولى فى ذلك السوق العتيق، لم يكن من بينهم شخصا واحدا ذو " بشرة بيضا "........ وفقا لدهشة ولماحة سكينه الأرترية !!!
تناولت من " هاجر " كيسين من الفول المحمص استعدادا للمة المساء فقد كان اليوم خميسا ،رغما عن ذلك فقد كنت منقبض النفس حزينا و أنا أغادر السوق، مفكرا فى حكاوى الشماسة و البت " البيضا " ذات العيون الواسعة !!!

تعليقات