top of page
بحث

زمن وباء " القعونجه " !

  • Adnan Zahir
  • 11 ديسمبر 2020
  • 5 دقيقة قراءة


ناس الحلة كانوا يطلقون عليه مرض " القعونجة " أى الضفدعة! احترت كثيرا لذلك الأسم لكن بعد البحث الشديد و التقصى المسنود بدافع المعرفة و الرغبة فى كشف المخبوء فى مفاهيم الناس هنا، توصلت الى مصدر التسمية.

ابان انتشار المرض الفاتك كانت هنالك حملات للتوعية يقوم بها المتعلمين من شباب الحى، و قد أخبر القائمون عليها ان ( المستودع الأصلى لمرض الكوليرا هو نهر " الغانغ " فى الهند،من هنالك انطلق المرض فى جميع ارجاء المعمورة و أصبح يهدد جميع البلاد خاصة الفقير منها ).

تم " بقدرة قادر " تحوير اسم " الغانج " الى " القعونجة " المسكينة التى أصبحت هدفا مشروعا للاغتيال و التصفية باعتبارها المسؤولة عن المرض و الموت حتى اختفى نقيق الضفادع ليلا من جميع خيران الحى الغارقة فى مياه الامطار!.... أصبح أسم " القعونجة " يثير الخوف و اشجان الحى،تنهمر الدموع و هم يحكون عن مأسى و اوجاع ذلك الزمن.

يزعم البعض بان نقطة انطلاق المرض فى الحى هو " تبش " حواء السودانية و شطتها المخلوطة ب " أتّى " الضان التى تقوم ببيعها فى أيام الأسبوع العادية تحت شجرة " النيم " الظليلة بالقرب من منزلها، والتى تقف باسقة فى الطرف الشرقى من الميدان الكبير الذى تقام به حولية شيخ صديق و مباريات كرة قدم روابط الأشبال!

لا يستطيع رواة الحكاية أو من يقومون بترديدها اثبات تلك الواقعة،لأن أول من أصابه المرض فى الحى كان محمد " بياع " الدجاج و الحمام الذى يقوم بعرض تجارته قبالة " زنك الخضار " بسوق أمدرمان الكبير.محمد كان يخرج ببضاعته الى السوق فجرا و لا يعود الى المنزل الى قبيل صلاة العشاء،كما انه لم يعرف عنه الأكل فى اماكن الطعام المتعددة فى الحى.

حواء " السودانية" كانت تبيع طعامها ظهرا لأطفال المدارس،العمال الفقرا و بعض العابرين للميدان.لا أحد يعرف مصدر تلك الشائعة و لكنها كانت سببا فى قطع رزقها الضئيل،شراء منزلها بعد وفاة زوجها المسن الأعمى من قبل أولاد صديق اللذين يجاورونها السكن و التوسع فيه، بعد ممارسة كثيرا من الضغوط و الحيل عليها و من ثم طردها من الحى!

عندما تأتى ذكراها تقول أمنه الكاشفة متأففة و بحقد لا مبرر له ( هى شن طعما الخادم،ما شايلة فى " محفضتا " ورقة الحرية و حايمة بيها )!

العجوز الذى يشاطرنى شاى المغارب يقول ( أولاد صديق ديل تماسيح زى أبوهم،صديق أشترى نص بيوت الناس الفقرا فى الحى.كان يقوم باقراض المحتاجين بدعوى الاحسان و المساعدة،عندما تتراكم الديون يطالبهم بالسداد فورا أو أخذهم الى المحكمة.بعد ذلك يعرض عليهم فى رفق شراء منازلهم بعد دفع الفرق و كانوا يرضخون ).

عبدالبارى العارف يقول بغضب مكتوم ( أنا ما قلت ليك قبل كده الجلابه ديل ما بخلوا زول يأكل معاهم عيش )!

المرض بعد أن قتل محمد بياع الدجاج تمدد فى الحى و تطاول حتى لم يعد هنالك منزلا لم يمت به أحدا،أسرة حسن النجار ماتت بأكملها،هو و زوجته،أولاده الثلاثة و كلبتهم العجوز مع " جريواتها " حتى قامت الحكومة ب " تشميع " منزلهم فى انتظار ظهور الورثة.

ساعد على انتشار المرض البئة المتردية أصلا مع هطول امطار لم تعرف من قبل،تراكم الأوساخ،الجهل و التخلف و انكار الحكومة لوجود المرض خوفا من قفل الباب امام صادرات البلاد!...اضافة الى كل ذلك فقد كان مرض " القعونجة " يأتى متلصصا و لا يظهر الى فى مراحله الأخيرة مما ساعد فى ارتفاع ضحايا المرض اللعين.

اتفق ناس الحى على نصب سرداق واحد للعزاء فى الميدان الكبير طالما الموت شمل معظم الأسر،ظل الصيوان فى مكانه حتى انتهاء الخريف و زوال مرض القعونجة. المرض وحد الناس فى الحى و انساهم خلافاتهم اليومية و اطماعهم المترسبة و المتربصة،صاروا أسرة واحدة!

" صوانى " أكل اولاد صديق الماهلة المكتنزة بما لذ و طاب توزع على سكان الحى المجتمعين اما اباريق قهوتم و شايهم فقد كادت تغرق الصوان!

أولاد بانقا أطالوا لحاهم و لزموا الصوان،لم يكن هنالك قبرا حفر دون اشتراك سواعدهم القوية مفتولة العضلات حتى شوهد ابن بانقا الأكبر المتعجرف يعاود النساء المسنات،يلاعب اطفال الحى و " يربت " على اكتاف الرجال مطالبا بالصبر و الرجوع الى الدين و الصلاة،ينهى حديثه بجملة صارت فيما بعد مصدرا لتندر أهل الحى ( الدنيا ما دوامة و الرجوع الى الدين و الفضيلة هو الحق )!

عبد البارى فى توثيقه لتلك الفترة يقول ( ناس الحكومة كانوا زى كل الحكومات المرت على البلد،خلوا الناس ياكلوا نارن براهم )!

كنت حينما أكون مكتئبا أجلس فى دكان حسن الترزى الذى يفتح على شارع الأسفلت القاسم حينا من الحى الغربى،أراقب المارة و أنا استمع بنصف اذن " لهترشاته " و هو مزهوا باستماعى اليه.حسن الترزى كان قد ورث الدكان و الصنعة من والده و هو يقوم بخياطة " جلاليب و عراريق " أهل الحى و الأحياء القريبة،عندما يضيق به الحال و يقل العمل يقوم بخياطة اطراف الثياب النسوية المطرزة،المفارش و لا يستنكف من اعادة خياطة الملابس الداخلية للنساء رغما عن شواربه الضخمة،محاولات تضخمه الرجولى و نعته للنساء بأقذع الأوصاف!

الشارع فى العادة يكون مكتظا بالعابرين و المدينة أصبحت " كرش " حوت و ليس كرشا للفيل كما يقولون،ملجأ لسكان الاقاليم الطاردة بفعل الفقر و اختلال التوزيع.المارة المسرعون،المتسكعون،الشحاذون،بائعات الفول،الطعمية،الكوارع و السمك " الضارب "،عربات " الكارو " التى تحمل البضائع نهارا و القاطنين فى أطراف المدن ليلا ثم النساء " المقنّعات" فى الأركان المظلمة فى انتظار زبون يساهم فى ملئ البطون الفارغة فى المنازل التى لا تكفيها دخل العائل المنهك جسديا و نفسيا.

اتانى صوت الترزى الفخيم ( زمن القعونجة شال من كل بيت زول،أنا القدامك ده ابوى توفى فى ذلك الوقت،الناس الما هبشهم الموت كانوا ولاد صديق و اولاد بانقا،على بالطلاق " فرزن " عديل )!

ثم قال مستدركا و مستغفرا ( لله فى فى خلقه شئون ) !

كنت منشغلا عن حديثه و أنا أتابع مفاوضات صاحب عربة مع احد النساء الرابضات فى الظلام كانت تزاحمه من الخلف عربة أخرى للفوز بالمرأة،يبدو أن المرأة اختارت العربة التى فى الخلف التى كانت أحدث " موديلا ".فجأة استحوذت على ذهنى احداث تلك الليلة التى جرت احداثها اعواماً بعيدة قبل الزواج عندما وقفت امام امرأة محاولا " ختفها "،قالت لى بحدة و غضب ( هسع بعربتك " المكركبة " عندك نفس داير تختف )! تواريت خجلا.قلت مواصلا حوارا جاهدا أن يكون فلسفيا، لماذا يطلقون على تلك العملية اسم " الخطف " أو " الختف "؟!

الخطف يعنى القسر و خطف النساء عنوة،طالما هن يركبن العربات برضاءهن فذلك ليس خطفا!...قلت لنفسى مسترجعا مع احساس ضاغط بالذنب، و هل عندما تخرج المرأة للشارع تحت ضغط الحاجة او الخيار بين الموت و الحياة يكون هنالك مساحة للخيار ؟!.....

انتبهت بعد ذلك لحديث الترزى الذى كان يأتينى كخلفية مشوشة من عالم آخر و هو ما زال يواصل " هترشاته "،القيت عليه بهدوء تحية المساء و مشيت.

انتهى زمن القعونجة نهاية ساخرة،فقد أزال اولاد بانقا لحاهم و رجعوا يمارسون اعمالهم الممنوعة غير المعروفة! اولاد صديق كشروا عن انيابهم من جديد و عادوا للتربّص بسكان الحى الفقراء!....امرأة من الحى احتلت مكان حواء السودانية و اصبحت تبيع " التبش " المقدّم مع الشطة المخلوطة مع " أتّى " الضان و مستغلة لزبائن حواء و علاقتها المتعددة التى نمت على مدى سنوات طوال! عاد نقيق الضفادع و لكن فى هذه المرة بشكل " كورالى "......باختصار عاد الحى لمشاكله القديمة.

قلت لنفسى و أنا أعيد ترتيب حكايات " زمن القعونجة " و مرددا مقولة الترزى بصوت حاولت جاهدا أن يكون فخيما كصوته

( لله فى خلقه شئون )!


 
 
 

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
الأستاذ عوض الكريم محمد الزبير

( أبو دقن ) ! 1 تأبطت و أنا أكتب عن صديق العمر الراحل عوض الزبير، المثل الروسي الذى يقول ( خيرا أن تتأخر عن لا تأتى أبدا ) و الذى يماثل القول الإنجليزي السائر Better Late Than Never عوض  رحل عن دنيانا

 
 
 
الى أين تتجه أمريكا تحت حكم ( ترمب ) ؟ !

1 هنالك عوامل متعددة أدت الى نشوء النازية و قبولها في المجتمع الألماني، أهم تلك العوامل كما يقول المؤرخون - و اتفق معهم - هي اتفاقية ( فرساي ) عام 1919م  التي عقدت بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى و ت

 
 
 
شهر تاريخ السود في كندا

Black History Month 1 يعتبر شهر فبراير واحد من الشهور المميزة في الروزنامة الكندية، ففي هذا الشهر الذى يهل علينا بعد غدا، يتم الاحتفال بإنجازات الافارقة الكنديين الذين ساهموا تاريخيا في ترقية و تطور ا

 
 
 

تعليقات


bottom of page