زكريات من السجن : النَجَاضَة!
- Adnan Zahir
- 24 يونيو 2020
- 4 دقيقة قراءة
حدث ذلك فى العام 75 من القرن الماضى، فى المكان الذى يسمى وفقا للسجلات الحكومية الرسمية ( سجن كوبر العمومى بالخرطوم بحرى). السودان كان يرزخ تحت حكم ديكتاتور آخر هو العقيد جعفر نميرى قبل أن يرفع رتبته الى درجة المشير.كنا مجموعة من المعتقلين السياسيين تم القبض علينا و سٌجنا دون توجيه تهمة محددة، ولكن من المعلوم ان وجودنا هنالك كان بتهمة المعارضة السياسية للنظام الحاكم و تنظيمه الأوحد الاتحاد الاشتراكى السودانى .
فى ذلك الزمن كان وضع المعتقل السياسى عجيبا ( و لا يزال ) فى ظل كل الأنظمة الديكتاتورية. المعاملة للمعتقل السياسى كانت تعيسة وكانت السلطات تبرر ذلك التعسف فى معاملة المعتقل بانه لا توجد فى لائحة السجون " نص " يحدد ماهية المعتقل السياسى. بالطبع ذلك بديهى فالدولة أصلا تنكر وجود معتقلين سياسيين، كما تعلم أيضا أن ذلك الاعتقال مخالف للدستور و القانون، لذات السبب أصبحت ادارة السجون تعامل المعتقل باعتباره سجين من الدرجة الثالثة. السجين من الدرجة الثالثة - مجازا - يمتلك بعض الحقوق، لكن تلك الحقوق تنحصر فى بقاءه حيا أى لايموت.حقوق السجين فى ذلك التصنيف تنحصر فى اعطاءه بطانيتين تنعدم بهما كل المواصفات الطبية و مستعملة من قبل كل المسجونين السابقيين،" برش "و " جراية " لأكله مرتين فى اليوم. الجراية هى خبز أسود يحتاج الى مجهود لقضمه، فى حالة المعتقل السياسى استبدلت فى عهدنا برغفين يوميا !
الطعام اليومى فى الافطار فول " حافى " و أحيانا عدس لا لون له يحتاج لفراسة قصاص أثر ليعرف انه عدسا.وجبة الغذاء فى العادة ملاح أسود و هو عبارة عن قطع متناثرة من خضار الأسود معطونة فى جردل ماء ساخن كنا نطلق عليها سخرية ملاح " البراطيش " .
كنا قد تقدمنا بعٌدة مذكرات لادارة السجون لاطلاق سراحنا نسبة لوجودنا داخل السجن دون تُهم محددة كما طالبنا باصلاح حالة الطعام و بما أن تلك المذكرات رفضت او لم يتم الرد عليها فقد قررنا الدخول فى اضراب عن الطعام. الدخول فى اضراب عن الطعام يحتاج الى كثير من الجهد و التنظيم، أهمها ان يعرف العالم الخارجى و الأسر بخبر الأضراب. بناء على الحيثيات المتوافرة لدينا قررنا فى البداية أن يكون الأضراب لمدة يوم، على أن تتصاعد ايام الاضراب لاحقا فى حالة عدم الاستجابة لمطالبنا .
فى اليوم المحدد رفضنا استلام الطعام و ابلغنا الادارة باضرابنا.مساء ذلك اليوم و حينما كنا نمارس حياتنا العادية داخل السجن، فتح بعنف باب القسم الذى نقيم به " المديرية " وو جدنا أنفسنا محاطين بعدد كبير من عساكر السجون المتجهمين و بنادقهم موجهة الى صدورنا ثم أمرنا بعنف أن نخرج من القسم حفاة الأرجل و ترك كل اشياءنا. تم اقتيادنا الى زنازين تسمى " البحريات " و هى ايضا تعرف باسم زنازين الاعدام، تم وضع كل شخصين فى زنزانة منفردة دون الحديث معنا أو توضيح ما يجرى.كان يزاملنى فى الزنزانة صديقى ( على............) و هو من خريجى كلية الاقتصاد و كان لا زال يعمل بأحد المؤسسات الحكومية .
ابتداءا من اليوم الاول فى الزنازين كانت تصرف لنا وجبة واحدة من الطعام يُأتى بها فى منتصف النهار، مكونة من عيشة،كورة صغيرة تحتوى على فول و كورة أصغر منها بها ماءا تترك امام باب الزنزانة، لذى كان يستوجب علينا القيام بحركات " اكروباتية " لادخال الطعام. كان يسمح لنا بالخروج فقط فى الصباح لقضاء الحاجة منفردا حتى لا تجتمع بالآخرين، اما فى بقية اليوم فقضاء الحاجة يعتمد على " المهارات الفردية"، ببساطة كنا نتبول من خلال قضبان باب الزنزانة. النوم بالطبع على ارض الزنزانة ( الطالع نازل) المليئة بالخنافس التى تظهر ليلا ، نتوسد عتبة باب الزنزانة التى نتبول بقربها عند النوم. عرفنا أن هدف السلطة كان عقابنا على اضراب اليوم الواحد و تفاديا للتفكير فى اضراب آخر لاحقا، كما كان الهدف من الوضع فى الزنازين المنفردة، منع التنظيم و الوحدة، الاضعاف الجسدى و المعنوى .
فى اليوم الثانى عندما هممت بالتهام طعامى التفت الئ صديقى على و قال لئ بلهجة شايقية مفخمة مع التثقيل ( خًليك نجٍيض )!..على من سكان الخرطوم ولد و نشأ بها.اندهشت ،عندما سألته مستفسرا قال لى ( يجب علئ اكل نصف العيشة مع الفول و أن أترك نصف العيشة الأخرى للمساء). اطلقنا على تلك " العملية " اسم " النَجاضة " و اصدقكم القول اننى لم أذق طعاما شهيا من قبل، مثل ذلك النصف من العيش مساءا مع قليل من الملح و " جَغمة " من الماء !
صديقى على، كان فى كل مرة و قبل تناول الطعام يطلق تحذيره الشهير بتلك اللهجة الشايقية، اعتبرت أنا من جانبى أن ذلك دليل على جدية المسألة و أخذ الحذر. الزنانزين التى نقيم كان عددها 16، كل ثمانية زنانزين تواجه الأخرى. كان الممكن مشاهدة ثلاث من الزنازين التى تقع فى مواجهتك. كان اصدقاءنا عندما يجدونا نأكل ليلا يسألوننا من اين أتينا بالطعام، كنت ارد صائحا و بلهجة صديقى على الجادة و الثقيلة، ضاغطا على كل حرف " النجاضة ".
بعد مضى عدة أيام قررنا الدخول فى اضراب مفتوح عن الطعام، تم الاتفاق على ذلك الأضراب من خلال المخاطبة العلنية من الزنانزين وبعد الموافقة الجماعية قمنا بتنفيذ الاضراب. فى محاولة من الادارة لكسر الأضراب غيرت الأدارة من سياساتها، أصبحت تأتى بمزيد من الطعام للاغراء، عندما فشلت أوقفت مياه الشرب. كانت الأدارة تجرى علينا الفحوصات الطبية يوميا لترى مدى الالتزام بالاضراب و جديته، بعد ثلاث ايام و بعد معرفتها للتدهور الصحى لبعض المعتقلين و الضغوط الخارجية بعد انتشار خبر الأضراب، قررت الأدارة الاستجابة لمطالبنا. أخرجنا من الزنازين، مُنحت لنا أسرة و مراتب، سمح لنا بالصحف و المجلات و الراديو واصبح الطعام يعطى لنا طازجا لنقوم باعداده كما نريد. صمود المعتقلين و " نجاضة " صديقى على ساعدتنى على اجتياز تلك الايام العصيبة !

تعليقات