زكريات السجن - تفاصيل يوم مكرر فى " شالا " !
- Adnan Zahir
- 26 يونيو 2020
- 4 دقيقة قراءة
درجت الأنظمة الديكتاتورية فى السودان على اعتقال المعارضين لها و ابعادهم من مناطقهم التى يسكنون او يعملون بها، ذلك بارسالهم الى مناطق بعيدة و معزولة. المتصفح لوقائع التاريخ يصل الى نتيجة مفادها، أن كل الانظمة القمعية تتفق فى تلك الممارسة الممعنة فى ساديتها و مخالفتها للقوانين الانسانية. أحد أشهر تلك السجون التى دأبت الانظمة الشمولية فى السودان ارسال المعتقلين اليه، هوسجن "شالا" فى دارفور .
يقال أن التسمية مستمدة من القول الشعبى المتداول فى تلك المنطقة "مرفعين شالا"، أى أن الذئب قد قام باختطافه. تلك التسمية تشير و ترمز الى ان المنطقة كانت نائية و خلاء تعج بالحيوانات المفترسة، كما تعنى أيضا أن من يتجول بها تكون حياته عرضة للخطر. سجن شالا قد تم تشيده فى عهد الجنرال عبود، عندما ضاق سجن "الخير خنقا" بالفاشر بالمسجونين. سجن "الخير خنقا" هو الآخر كان فى الأصل مخزنا لواردات السلطان على دينار ، و الأسم يعنى ان المخزن كان عامرا و ملئيا طوال العام بمختلف الاشياء القيمة. بعد تشييد السجن الجديد، أصبح سجن الخير خنقا خاص بالنساء المسجونات كما أصبح مكانا لتنفيذ عقوبات الاعدام .
يقف سجن شالا الذى يختلف فى بناءه عن مبانى المنطقة فى ذلك الجزء البعيد و القصى، كأحد قلاع القرون الوسطى فى أوروبا أو أشبه بجزيرة مجهولة وسط مياه فى محيط اسطورى. تبدأ الحياة داخل السجن فى تمام الساعة الخامسة صباحا، تلك هى مواعيد تعداد المسجونيين الصباحى أو التمام كما تسميه ادارة السجن. التعداد يجب أن يكون متطابقا و تعداد السجناء الذى يتم عند قفل السجن فى تمام الساعة الخامسة مساءا. عدم تطابق التعداد يعنى هروب أحد السجناء و فى هذه الحالة تتخذ اجراءات محددة تشمل كل اقسام السجن. يتم التعداد بأن يجلس السجناء القرفصاء فى صفوف تتكون من خمس اشخاص. كان يتم تعداد المعتقلين السياسيين بنفس الطريقة المهينة حتى امتناعهم من التمام مما أضطر الادارة لأخذ التمام لهم بشكل مختلف، ذلك بأن يبقى المعتقل فى مكانه عند صافرة التمام حتى يسهل تعداده .
نزيل شالا فى الحقيقة لا يحتاج لصافرة لايقاظه من النوم، فعند ظهور أول خيوط الضياء تقوم جحافل الذباب بمهاجمة النزلاء، و هى تقوم بعملها بكفاءة و مهنية عالية. المحظوظ من النزلاء من يملك ناموسية و التى يطلق عليها هنالك سخرية "ضبانية " تقيه شر الهجوم ، والا فلا يملك النزيل حلا سوى الاستيقاظ. ذباب شالا له خواص، فهو يقوم بالكر و الفر، المناورات المتعددة ثم الهجوم على كل مناطق الجسد المكشوفة ولسعها .
يقوم النزيل ليبدأ ممارسة طقوس الصباح المتمثلة فى الغسل و السواك. الماء فى سجن شالا لا يشبه المياه فى أى مكان آخر ، فهو يجلب مباشرة من "فولة" راكدة بمدينة الفاشر معرضة لكل التلوثات البشرية و الحيوانية و يشرب منها نسبة معتبرة من المواطنيين هنالك. عند النظر الى المياه داخل كوب تشاهد كثير من الاجساد الدقيقة المتحركة، و تنبعث منها رائحة مقززة. النزلاء تحايلوا على استعمالها بمزجها بنسب عالية من " الكلور " يأتى بها فى العادة أصدقاء المعتقلين، لذى المعتقل المحظوظ فى زمن "الكلور" لا يدرى هل هو يشرب ماءا أو دواءا !!
فى تلك اللحظات التى يغتسل فيها النزيل، تأتيه روائح كريهة لا يستطيع تحملها الا من عاش فى ذلك السجن فترة من الزمن. تلك الرائحة مصدرها تفريغ بالوعات يطلق عليها "مجازا" دورات للمياه. فى تمام الساعة الخامسة و النصف صباحا، يقوم المنتظرين لتنفيذ عقوبة الاعدام بتفريغ تلك البالوعات المليئة بفضلات المعتقلين. تتم تلك العملية بواسطة أكواب من الصفيح، و بايدى عارية تفرغ القاذورات فى جرادل من الصفيح . تحمل تلك الجرادل لتفرغ فى عراء خلف سور السجن. استمرار و بقاء الرائحة تعتمد على مهارة من يقومون بها و خبرتهم. تلك البالوعات و أماكن تفريغها هى البؤر الدائمة لتوالد الذباب. تلك الأسباب جعلت من السجن مستوطنا لأمراض اليرقان، الدسنتاريا ، النزلات المعوية و بقية الأمراض المعدية. يكون محظوظا من بقى هنالك فترة من الوقت و لم يصب بأحد تلك الأمراض، و كثيرون من المسجونين يموتون "سمبلا ".
بعد شرب الشاى وقبل ميعاد الافطار هنالك خيارات محددة لتمضية الوقت. تلك الخيارات تتمثل فى المشى للتريض داخل قسم الاعتقال، محاولات سماع راديو أمدرمان شبه المستحيلة، او الجلوس لمتابعة نداءات الادارة للمعتقلين لاستقبال زيارة، استلام رسالة او ذهاب للمستشفى، و هو خيار مفضل للغالبية العظمى فى الصباح. أهمية هذا الخيار يتمثل فى معرفة الشائعات الآتية من الخرطوم حول تناقضات السلطة وصراعاتها الداخلية و الخارجية، أو معرفة شائعات اطلاق السراح بالنسبة للمعقليين السياسيين .
الافطار فى تمام العاشرة ، ذلك طقس يحتاج فيه المعتقل لكثير من "الحرفنة"، عليك ادخال اللقمة الى فمك باقصى سرعة حتى لا يشاركك فيها الذباب ، و أن تقوم باليد الاخرى بمطاردة الذباب حتى لا يسقط فى الطعام. باختصار و"من الآخر كده" كما يقول المصريين يجب أن تكوب لاعب سيرك ماهر .
بعد الافطار يجب عليك التفكير فيما ستقوم بفعله حتى وجبة الغذاء، بالمناسبة وجبات الطعام هى التى تحدد مسار حياة المعتقل!! فى العادة يقضى المعتقل وقته فى هذه الفترة، فى لعب الكتشينة، الضمنه او الشطرنج أو حضور بعد فصول اللغات أو المحاضرات التى يقوم بتقديمها بعض المعتقلين. بالطبع تكون متفردا عند أمتلاك "ضبانية" فباستطاعتك القراءة لساعات طوال أو حتى النوم لفترة من الوقت .
فى الثالثة ظهرا يتم تناول وجبة الغذاء المكونة فى العادة من بطاطس، بامبى أو عصيدة و هى طبق مستديم، أحيانا تطبخ بعض اللحوم. بعد هذه الفترة يتم الاستعداد لممارسة الرياضة العصرية، وهى كرة القدم والكرة الطائرة. تلك الرياضات تتطلب عددا ضخما من اللاعبين ، ولكن فى الأعوام الاولى من التسعينات لم يقل العدد فى هذا السجن من السبعين معتقلا !
ليل شالا يجمع بين المتناقضات، عليك بنصب ناموسيتك قبل دخول الظلام ، والا فلن تستطيع النوم. هنالك كمية من الحشرات الليلية لا مثيل لها، أهمها الكرب السام ، العقارب و الثعابين و حشرات طائرة صغيرة تختلف فى شكلها و تنوعها. عندما تنظر اليها من خلال الناموسية و أنت مستلقى بداخلها تسرى فى جسدك رجفة و قشعريرة. عليك التأكد و الاحتياط قبل النزول من السرير للأرض فانت معرض دوما للسعة من تلك الهوام. العشاء يتم فى تمام الثامنه، واذا لم يكن هنلك نشاط جماعى فيتوزع المعتقلين فى مجموعات صغيرة للسمر والونسة و تبادل الذكريات .
لن تشاهد سماءا أكثر جمالا و بهاءا من سماء شالا. سواد داكن مهيب ينتشر و ينساب بلا حدود، ترصعه نجوم مضئية لامعة يخيل اليك أنك اذا مددت يدك ستقوم بالامساك بها و قطفها. قال لى أحد المعتقلين المهتمين بعلم الفلك أن هذه البقعة من العالم ، من الأماكن القليله التى يمكن أن تشاهد منها بوضوح عددا من الكواكب و النجوم النادرة، التى تظهر فى أوقات محددة من العام .
ليل شالا لا تطرزه تلك النجوم المبتهجة و السواد الماهل فحسب ، ولكن ايضا أوجه ، الحبيبات، الأمهات، الاطفال، ثم الأمل فى الانتصار و التغيير،........ و القدرة على احتمال يوم جديد .
شالا : سجن فى غرب السودان - دارفور

تعليقات