ذكريات ممتدة .....كأس العالم 2022 !
- Adnan Zahir
- 23 ديسمبر 2022
- 6 دقيقة قراءة
1
يشكل كأس العالم لأسرتى حدثا فريدا ننتظره بشوق و لهفة طيلة غيابه الذى يمتد لأربع أعوام، و لنا طقوسا و برامج تخطط و توضع لاستقباله قبل حضوره. فى اعتقادى أن تعلق الأسرة بكأس العالم و الرياضة عموما خاصة كرة القدم، انتقل اليها تأثرا من حبى لكرة القدم و ممارستى لها أيام سنوات الصبا الأولى، و لعبى فى بعض أندية الكرة الأمدرمانية و من ثم اهتمامى بها وباخبارها، فى مسيرتى حياتى اليومية.
فى سنوات القرن العشرين المنصرم و فى السودان، كان حب و عشق الكرة متغلغلا و سط الناس كما أنتشرت الثقافة الرياضية بينهم، و عرفوا أعظم أندية العالم و لاعبينها الأفذاذ، خاصة أن الفرق الكبرى السودانية نشأت فى عشرينات القرن الماضى فى أمدرمان و الخرطوم، و فروع ممتدة لها فى باقى مدن السودان.
بعض السياسيين يقولون أن الأستعمار الأنجليزى عندما أدخل كرة القدم فى السودان بشكل رسمى، كان الغرض منه الهاء الناس عن السياسة خاصة بعد ثورة 1924 و نهوض الوعى بين اوساط الجماهير و الخوض فى معارك ضد المستعمر، بالرغم من أن تلك الأندية الرياضة أصبحت لاحقا مركز أشعاع للعمل الوطنى السياسى . لذلك ليس صدفة أن حاول الحكم العسكرى الأول بقيادة الجنرال عبود، الاستفادة من التاريخ و ذلك بتوظيف الرياضة عموما و كرة القدم تحديدا، فى تشتيت انتباه الجماهير عن القضايا الأساسية و تخديرهم بها.
ذلك الزخم الرياضى الذى تغلغل وسط الجماهير و بالتحديد كرة القدم، دفعنى للتعلق بها مبكرا و ممارستها كلاعب، و بالرغم من عدم دخول التلفزيون فى خمسينات القرن الماضى الحياة العامة، الا أن " دور " السينما المنتشرة فى المدن كانت تقوم بعرض أخبار الرياضة قبل بدء الافلام، و كنا نحرص على مشاهدتها. كذلك كانت وزارة الأعلام و الرياضة فى ذلك الزمن، تقوم بعرض الأفلام من خلال وحدة سينمائية تجول القرى المدن، و تعرض أفلام الرياضة و أفلام أخرى ثقافية. بالأضافة الى كل ذلك كانت " الكناتين " فى الأحياء تقوم بيع " اللبان " الذى تحتوى لفافتة على صور مشاهير الممثلين و لاعبين كرة القدم ، كان الشباب يداومون على شراءها لهذا السبب.
فى تلك الفترة المبكرة شاهدت عباقرة كرة القدم فى العالم ، تعرفت عليهم و استمتعت بلعبهم خاصة بعد دخول التلفزيون السودان فى بداية ستينات القرن الماضى. شاهدت بيليه البرازيلى و جارنيشا،روماريو، باكنباور الالمانى، بلاتينى الفرنسى، الانجليزى جيمى غريفز، باولو روسو الايطالى،حارس المرمى الأسطورة الروسى ياشين، بشكاش المجرى ، كرويف الهولندى و رفاقه فان باستن ، جوليت، رولاندو، زيدان و ماردونا....الخ الأفذاذ.
2
عبر تقدم العمر تغيرت و اختلفت رؤيتى عند مشاهدة مجريات كاس العالم، تم ذلك باختلاف المكان،الزمن،التجارب و الوضع الأسرى. قبل مغادرتى السودان و فى تسعينات القرن الماضى، كنا نشاهد كأس العالم فى الحى الذى أسكنه بشكل جماعى، فى منزل أحد الأصدقاء. قبل موعد كرة القدم كان يقوم أحد الأشخاص بجمع مبلغ من المال من المداوميين حضور المباريات ،و ذلك لعمل العشاء " المدنكل " بعد انتهاء المبارة ،التى تعقبها فى العادة اعلان نتيجة المراهنات البرئية حول فوز الأندية المرشحة، التعليقات... و التحليلات.... و المقارنات...، لم نكن نختلف كثيرا حول الفرق التى نشجعها فمعظم السودانيين يشجعون البرازيل و يحزنون كثيرا عند فقدانها الكأس .....كانت تلك الأيام اقتناص للبهجة و الفرح.
كأس العالم أيضا كان مناسبة لاكتشاف " لعيبة " المستقبل القادم.....الخطط المستحدثة لكرة القدم و من ثم القوانين الجديدة، و الحكم على تطور الكرة. كانت المناقشات حول كأس العالم تستمر بيننا لشهور و أعوام.
3
عند حضورى ل " كندا " و عند مناسبة كأس العالم كنا نقوم بشراء قمصان اللاعبين للبنات، التى تحمل الارقام التى يرتديها النجوم الذين يحبونهم مثل ميسى.... رولاندو....الخ
باجماع كامل تشجع كل الأسرة البرازيل ،و قد حزنا كثيرا عندما لم تستطع الحصول على الكأس ابان البطولة التى اقيمت على أرضها قبل عدة سنوات.
كنت أشجع الفرق العالمية بطريقة دار الرياضة أمدرمان، و أستخدم ذات التعبيرات مثل ( أبوك ما تدى ) عند تجاوز اللاعب دفاع الخصم و انفراده بالحارس..... أو ( الزول ده مقيل و له شنو ) !
أو ( باااااااع ) !....كن الكبيرات من بناتى يعرفن المعنى العمومى للتعبير دون التفاصيل و مشتقات التعبير، أما الصغيرات فهن لا يعرفن من اللغة العربية غير بعض الكلمات القليلة. فى احدى المرات و كنا نشاهد احد المباريات " القوية " و عند انفراد أحد اللاعبين بالحارس صرخت ابنتى الصغرى منفعلة و بصوت عالى تشوبه لكنة محببة ( أبوك ما تدى ) ! .....ضحكت الأسرة حتى سالت الدموع.....لم نكن نعرف انها حفظت التعبير وكيفية استعماله !
كأس العالم 2022 لم أتغيب عن مشاهدة أى مباراة، ساعد فى ذلك وجودى المتواصل فى المنزل بعد سن المعاش مما جعلنى أتفرغ بالكامل لمشاهدة كل المباريات التى تنقلها قناة تى. أس. أن. الكندية.
بما أن البنات كن يعملن أثناء الأسبوع، فقد كنا نجتمع لمشاهدة المباريات التى تقام فى نهاية الأسبوع. أكثر ما مميز هذه المنافسات بالنسبة للأسرة هو بلوغ ( كندا ) نهاية كأس العالم بعد ستة و ثلاثين عاما، ارتداء حفيدتى " آنجى " لقميص لاعب كندا القومى و" بايرن ميونخ" ( الفونس ديفز ) اللاعب الذى يحظى بشعبية هائلة فى كندا ،و من ثم والدتها المرتدية لقميص كندا الحامل للشعار.
كانت المجموعة التى تلعب بها كندا تضم كل من كرواتيا ، البرتغال و المغرب . دار هذا الحوار بينى و بين أبنتى الكبرى والدة حفيدتى، ونحن نشاهد المباراة الاولى لكندا فى مواجهة كرواتيا:
- من ستشجع يا بابا من الفريقين ؟
- أجبت بمكر عجائز القوم ( سوف أشجع اللعبة الحلوة ) !
- كيف تفعل ذلك يابا و أنت كندى سودانى لماذا لا تشجع كندا؟ !......كانت تشير للجنسية " المزدوجة " التى نحملها.
لم تصمت بل فاجأتنى بسؤالها مجددا
- من سوف تشجع اذا لعبت كندا ضد السودان ؟!
كنت أعرفها انها تطمع فى اجابة أكثر عمقا ووضوحا.أجبت على سؤالها مراوغا بسؤال مضاد.
- فى زمن البرهان و الجنجويد هل من الممكن أن يصل السودان لنهايات كأس شرق أفريقيا... ناهيك عن نهايات كأس أفريقيا و كأس العالم ؟!!!
- لم تجب على سؤالى يا بابا ؟!
قلت لها دون مداورة
- سوف أشجع السودان.... و فى فرق السودان أشجع فريق الموردة....فى كرة القدم الزول بشجع الفريق الذى يحبه.
أضفت
- ألا ترين حارس مرمى المغرب ( ياسين بونو ) و هو مزدوج الجنسية كندى مغربى...... عاش فى " مونتريال "، عندما استدعى بواسطة المدرب للعب للفريق القومى الكندى أعتذر و فضل اللعب مع المغرب،....... و بالمناسبة كل " لعيبة " المغرب يحملون الجنسية المزدوجة و قد ولدوا فى بلدان أخرى لكن فضلوا اللعب مع المغرب، الأعلام الكندى بفتخر أن (بونو ) يحمل الجنسية الكندية.
رغم هذا الجوار الساخن مع أبنتى حول " الجنسية المزدوجة " ، الذى أثاره كأس العالم فقد ساندت الفريق الكندى ووقفت معه فى كل مبارياته رغم خروجه المبكر من المنافسة.
مشاهدة مباريات كأس العالم مع الأسرة كان وقتا للحميمية و الفرح.....الأكل المتنوع خاصة " المفروك " السودانى....الفرفشة و الضحك، و برغم خسارة البرازيل و خروجها من المنافسة فقد فرحنا بفوز الأرجنتين بالكأس، فهو الفريق الثانى الذى كنا نقوم بتشجيعه.هنالك ثلاث لاعبين كنا نحتفى بهم على الدوام ....ميسى الارجنتينى....نيمار البرازيلى....وامبابى الفرنسى.
4
فى تقديرى أن كأس العالم 2022 و الذى أقيم بدولة قطر كان جيدا و مختلفا فى أشياء عدة من المنافسات التى شهدتها فى السابق. قد يكون السبب الفخامة، التنظيم ،الابتكار و الابداع و " بلايين " الدولارات، التى صرفت على اخراجه بهذه الكيفية. من خلال متابعتى اللصيقة لكاس العالم تجمعت لدى عدة ملاحظات أود مشاركتها مع الآخرين و هى تتمثل فى الآتى:
- هنالك تطور ملحوظ فى مستوى اللعب و التكنيك ،كما أصبحت الفرق المتنافسة فى مستويات متقارب فنيا و حتى من ناحية اللياقة، و أصبح الفوز لمن يبذل مجهودا مضاعفا ، يقاتل بضرارة من أجل الأنتصار، لذلك انتصار السعودية على الأرجنتين حاملة لقب اليوم ....انتصار المغرب على البرتغال ....انتصار كرواتيا على البرازيل ....لم يكن كل ذلك صدفة بل نتيجة لعمل دؤوب و مدروس.
- الخطط الكروية كانت محكمة و ذكية تتغير بتغير مجريات اللعب.
- التحكيم بالرغم من بعض الهنات الصغيرة فقد كان معقولا، كما ان مشاركة أمرأة لاول مرة فى ادارة مبارة كاملة فى كأس العالم لفتة مهمة ترمز للانتباه لحقوق المرأة بشكل عام و التحريض على نيلها، كما ان أستخدام التكنلوجيا فى التحكيم تم بشكل مفيد.
- التشجيع كان رائعا و متسقا مع أهداف الرياضة، فى الاحترام المتبادل، التعامل السلمى و التعايش بين الشعوب المختلفة.
- أكثر ما أثار اعجابى الصوت المرتفع المنادى بحقوق الأنسان المتمثلة فى نبذ العنصرية.... و استهجان خطاب الكراهية و الأحتفاء بالمعوقين.
و أخيرا قطر لن تعود دولة قطر كما كانت من قبل، بل هى دولة مختلفة بعد كأس العالم 2022 .
كم أحسست بالفراغ بعد المنافسة....نفضت الغبار عن الأشياء المؤجلة و أشياء أخر تنتظر انجازها.....عدت لممارسة الروتين القديم و متمنيا حدثا آخر مزلزلا كحدث كأس العالم ...و قريبا !!!!
عدنان زاهر – 23 ديسمبر 2022
أبوك ما تدى : المقصود بها عدم التفات اللاعب لأى شخص مهما كان مهما كوالدك..... و ايداع الكرة الشباك.
الزول " المقيل " : الشخص شارب المريسة يوم الجمعة و العاكف عليها،كانت عادة منتشرة فى امدرمان و آماكن أخري.المقصود قلة تركيز اللاعب فى المباراة.
باع : تعنى التلاعب فى نتيجة المباريات أما لأنزال فريق للدرجة الصغرى أوالأبقاء على فريق فى نفس الدرجة....كانت تلك الممارسة موجودة فى كرة القدم !

تعليقات