حكاوى النيل ( 5 ) - " التَقلة "!
- Adnan Zahir
- 23 ديسمبر 2020
- 4 دقيقة قراءة
كانت المركب هى شكل المواصلات الوحيد للوصول الى جزيرة توتى من ناحية الغرب و أنت قادم اليها من مدينة أمدرمان.مرسى المركب يقع بالقرب من كبرى أبوعنجة بين المنطقة الواقعة بين حديقة النيلين و حديقة الجندول " سابقا ".قيمة الانتقال الى توتى كانت " تعريفة " و لا أعرف ماذا تساوى بنقود اليوم التى أصبحت لا قيمة لها !
صعدنا الى المركب الأصدقاء الأربعة،على،ميرغنى،احمد و شخصى،كنا نرتدى " الشورت " و قميص،ننتعل حذاء " الشدة " المصنوع من البلاستيك الذى يتحول الى قطعة من جهنم بفعل حرارة منتصف النهار. جيوبنا كانت ملئ بالاحجار الصغيرة المنتقاة بعناية،هدفنا كان صيد الطيور و تحديدا القمرى و " الدباس " بالنبال.أرض توتى من الطمى الأخضر منحة النيل لها و مصدر حياتها لذلك تقل بها الحجارة، ذلك يعنى من الجانب الآخر أن مصر ليست هى وحدها " هبة " النيل !
كنا فى المدرسة الوسطى فى ذلك الوقت، متوسط أعمارنا لا يتعدى الرابعة عشر و هو عمر " أحمد " أكبرنا و مقدم المجموعة. قبولنا لأحمد لقيادة المجموعة لم يكن عشوائيا،فعلى كان يماثله فى السن كما كان يمتاز عنه بالطول الفارع و متانة البنيان و لكن أحمد برغم نحافة جسده قد كان أبرعنا فى السباحة،أكثرنا جرأة و قدرة على اقتحام المخاطر كما له قدرة على ابتكار أساليب جديدة غير معتادة، تدفع للتجريب و امتطاء صهوة المغامرة.
كنت أمتلك مهارات لا يملكها أحمد كصيد الطيور فقد كنت ماهرا فى الرماية، كما كنت حكيما و حاذقا فى مجابهة الظروف الصعبة و " حلحلة " المشاكل، لكن كل ذلك لم يكن عائقا امام قيام علاقة صداقة حميمة و تقدير متبادل مع أحمد.
نزلنا فى الشاطئ الغربى للجزيرة بعد رحلة استمرت زهاء العشرين دقيقة قطعنا فيها النيل الأبيض و الأزرق.اتجهنا الى جزء توتى الجنوبى الذى تكثر فيه اشجار الهشاب و النخيل فقد كانت تلك أمكنة لتجمع الطيور للغذاء و الراحة.صيد الطيور فى تلك الأماكن ليس سهلا،كان علينا أن نكمن فى مناطق مختارة بعناية متعرضين فى ذلك لأمكانية اللسع بواسطة العقارب أو الثعابين ذلك بالأضافة للشوك ذو الاطراف الحاد.
بعد عدة ساعات تحت شمس مارس المُحرقة، عطش حاد مضنى و صيد غير موفق قررنا العودة بروح معنوية متدنية و خيبة غير خافية.فجأة أقترح علينا " أحمد " بأن نقوم بزيارة الجروف التى تقع شمال الجزيرة مواجهة لمقرن النيلين، لأخذ بعض البطيخات من الجروف ل " كتل " العطش و التبريد.بعد تداول الأمر و دراسته من جوانب عدة و بالرغم من اعتراض البعض، فقد وافقنا فى النهاية تحت حجج أحمد القوية و المقنعة بالذهاب الى هنالك خاصة أن لا أحد سوف يكتشفنا أو يقوم بمنعنا.
تسللنا الى الجرف الممتد بعرض الجزيرة،بدأنا فى قطف ثمار البطيخ و أكله بشراهة حتى امتلئت بطوننا،شرعنا بعد ذلك فى قطع البطيخ و اللعب به ككرة قدم.نحن فى لهونا منتشين سمعنا أصوانا محذرة تركض تجاهنا،توصلنا على الفور ان القادمين هم مجموعة اصحاب الجروف فقررنا الهروب بسرعة.كنا كلما ركضنا فى اتجاه وجدنا مجموعة من المزارعين تركض فى اتجاهنا معترضه لسبيلنا.لم يبقى امامنا للافلات من قبضتهم الا بعبور النيل الأزرق عميق المجرى،سريع التيار نحو الخرطوم.لم نفكر كثيرا نظرنا الى بعضنا،قمنا بخلع أقمصتنا و بعد لفها فى رؤسننا دخلنا الى النيل.لم نسبح عدة أمتار حتى أعترض سبيلنا عدة اشخاص كانوا قد سبحوا من خلفنا كالتماسيح، و اجبرونا على العودة للشاطئ.كان غضبهم هائلا و نحن على البر،قاموا بصفعنا فى اجزاء متعددة من الجسم و هم يتصايحون ( دايرين تغرقوا يا أولاد الكلب يا......)
قاموا بادخالنا الى قطية بنيت من القصب يرتاحون فيها وقت القيلولة ثم قاموا بتقيد أرجلنا و أيدينا بالحبال.كان صاحب الجرف الذى عبثنا بمزرعته مربوع القامة،مقطوع الأذن اليسرى أطلقنا عليه لاحقا لقب ( أبوآدان ) له صوت جهور و حضور طاغى.أخبرنا بأنه سيقوم بجلدنا حتى ( تطلع روحنا )، و المخرج الوحيد فقط أمامنا أن نقوم بدفع ما قمنا بتخريبه.قال أن قيمة " التقلة " عشرة قروش و عرفنا ان التقلة هى البطيخة متوسطة الحجم،كان ذلك مبلغ خرافى لا نستطيع توفيره حتى لو أردنا ذلك.حاول ميرغنى تلين قلبه ذاكرا له أن أهلا له فى جزيرة توتى،رد " آبو أدان " قطع أى أمل فى النجاة ( لو كان جدك العباس ما حتتخارجوا الليلة )!
أمر أبوآدان أحد العمال اللذي يعملون معه بالذهاب الى شاطئ النيل و احضار العصى،حضر بعد فترة من الوقت و هو يحمل " ربطه " من فروع شجر الصفصاف الذى يشابه فروع الخيزران فى مرونته.شرعوا فى ازالة الصفق من تلك الفروع وهم ينظرون الينا شذرا،نظراتهم المكثفة برغبة الأنتقام كانت أكثر ألما و رعبا،كنا أربعة أشخاص و عدد العصى التى أحضروها خمسة عشر.
فى تلك اللحظات دخل القطية شخصا فى مثل أعمارنا،تعرفت عليه على الفور فقد كان فى الفصل الآخر فى نفس المدرسة و المرحلة التى أدرس بها و تربطنى به علاقة مودة " خفيفة ".من حديثه ووقفته عرفت أن له علاقة وثيقة ب"أبوآدان "،قال له أنه يعرفنا و نحن من أسر " كويسة "...... يقصد لسنا لصوصا !.... وهو يضمن امكانية دفعنا للمبلغ المطلوب و بالعدم عدم حضورنا للجزيرة مرة أخرى لارتكابنا مثل تلك الأفعال المخزية.
استمع ابوآدان لحديثه و هو ينظر الينا شذرا،ثم أطرق ينظر للأرض و هو " يَنخس " فيها بواحدة من تلك العصى التى جهزت لعقابنا فترة من الوقت، خلناهو دهرا.رفع رأسه ثم أمر بفك وثاقنا و أمرنا بالذهاب و أن لا نعود مرة أخرى للجزيرة.
لم نصدق ونحن فى المركب متجهين الى أمدرمان بأننا مطلوقى السراح، كما لم نستوعب مسألة عفو أبوآدان عنا و تركنا دون مساءلة أو عقاب!
شهور و أيام مضت على تلك الحادثة،كانت عندما تحط ذكراها فى أذهاننا نرتجف بالرعب،ثم بدأت جمرتها تخبو قليلا.. قليلا و تتلاشى حرارة وقعها.بعد فترة لم تمتد طويلا بدأنا فى غزو المزارع من جديد و تخريبها !!
عدنان زاهر

تعليقات