top of page
بحث

ثلاثة وجوه من المدينة !

  • Adnan Zahir
  • 12 يناير 2023
  • 4 دقيقة قراءة

الغرقان

"لله طرائق بعدد أنفاس الخلائق "

قول سائر


رغم ملابسه المهلهله، المتسخة و شعر رأسه المرسل بلا نظام....رجليه العاريتين، فقد كان يشع من وجهه بهاء غامض. يهيم صباحا فى طرقات المدينه المتداخله بلا هدف لا يأكل و لا يشرب أو يستحم، عندما يخرم الى " التمباك " الذى يدمنه، يقف صامتا أمام أى مجموعة يعرفها منذ قديم الزمان....يفهمون ما يريد يقومون بشراء التمباك له أو يعطونه بعض من النقود لشرائه. كانت نفس تلك المجموعات عندما تجده هائما و الارهاق،التعب و الجوع باديان عليه ياخذونه الى منازلهم ،يطعمونه ويغسلون ملابسه ....يرتاح معهم ليوم أو يومين ثم يخرج من جديد للطرقات.

تتعدد الرويات حول حاله.......الشائع و الأكثر انتشارا منها، انه كان متعلما، يشغل وظيفة محترمة و لكنه كان يمارس السياسة فى الخفاء مؤيدا لحزب كان يعارض الديكتاتوريات العسكرية. يقول البعض تم اعتقاله و تعذيبه ببشاعة فى واحد من تلك الأنظمة،بعد خروجه من تلك التجربه ترك عمله و أصبح حوارا للشيخ " المكرب " فى الجزيرة المروية، بعدها أصبح هائما فى طرقات المدينة المتشعبة. حتى هذه الرواية " المسبكة " و المحكمة الاخراج، البعض يقول انها حبكت لتناسب البهاء الغامض الذى يشع من وجهه و حضوره الطاغى عندما يجوب الطرقات.

شيخ صديق " المعين " من قبل السلطات لتوثيق الحياة فى الحى، والحفاظ على نقاء الاسلام و معرفة ما تكنه الضمائر يقول ( الزول الطاشى ده لا كويس و لا حاجة......جات مرة كشه لبيت ست العرقى بتاع " رابحة " النوباوية، و لقوهوا راقد معاها.....انتشر الخبر و علمت زوجته بذلك ، قامت شالت اولادها و مشت بيت أبوها.....الفضيحة " لحست " عقلو و من اليوم داك طاشى حتى الآن )!!!. ناس الحى يقولون ان شيخ صديق كان مصاحب " جميلة " بت رابحة ست العرقى !!.

فى احدى جلساتنا العصرية الماهلة و نحن نتناول اخبار السياسة، والمدينه و الحى بالنقاش ، شاهدناهوا يمشى فى الطريق متجها الي مجموعة جلستنا،وقف أمامنا بطلعته البهية الغامضة و حضوره الطاغى دون أن ينبس بكلمة. كنا ملمين بقصصه لكن لم يكن من بيننا من يستخدم " التمباك "......قام صاحب المنزل الذى نجلس أمامه باخراج نقود ووضعها برفق على جيب جلبابه المهلهل.......قال الواقف أمامنا بصوت خافض ( قالوا الكريم فيهو شيتن من الله )!

استدار و مضى فى حال سبيله.


القبيح


( لكل أمة وثن و صنم هذه الأمة الدرهم و الدينار )

الحسن البصري


كان نظيفا و أنيقا بشكل مريب، يكثر من الحضور فى المجتمعات " اللامة " مشاركا دوما للحديث بصوت ناعم النبرات كملمس جسد حية، و رغم ذلك الود " الحاتمى " لم يكن احدا يطيق وجوده !

ذلك التقييم الجمعى الصامت لشخصه المتفق عليه علنا لم يتم فى اجتماع....لكن التجارب المشتركة غير المحكية عن سلوكه كانت هى السبب. كان يعمل كاتب "عرضحالات " فى الأراضى قرب مبانى المحكمة الشرعية، يجلس تحت شجرة " لبخ " ظليلة جعلها مكتبا له؛ ينسخ تحتها عرائضه لذوى الحاجة من زوار المحكمة الشرعية و تسجيلات الأراضى مقابل رسوم زهيدة.

يقول المداومون فى الزيارة لتلك الأماكن من شاهدى الزور، سماسرة الأراضى و " حلالى العقد ب " اللفه "، انه من أحسن الأشخاص الذين يمكن التعامل معهم، فهو قادر على فعل أى شئ. كان بامكانه التزوير، تدريب شاهدى الزور على الشهادة ، " فركشة " الزيجات و حبك القضايا للمحتالين لابتزاز الآخرين......اسمه الحقيقى " تنقو " و لكن الساير عليه هو " تنقو بتاع كلو "، صار ذلك هو الأسم الشرعى له.

" تنقو بتاع كلو " لم يكن حريصا على اخفاء فعائله، بل احيانا يقوم بحكيها على سبيل التباهى، و استعراض العضلات و اظهار الذكاء.

( كانت تحتضر....تركناها و اخذنا أنا و زوجتى نبحث عن دهبها المخبأ، كنا نعلم انها خبأته فى مكان ما فى الغرفة. اخذنا نحفر أرضية الغرفة المغطية بالرمل و فى أركانها ، فجأة انتبهنا لوجودها نظرنا اليها......... " جرت فينا نور طويييل" )، قمت بتغطية وجهها بثوبها الملتف حول جسدها.

بعد عثورنا على الذهب " ضربنا " تلفونات لباقى الأهل لاخبارهم بموتها كان " تنقو " يحكى عن لحظات موت شقيقته!!.


الحالم


( الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر " تفسر " فاذا عبرت " فسرت " وقعت " تحققت " )

حديث نبوى شريف


كنا فى منتصف النيل و " القارب " الصاهل، يرفع مقدمته كحصان أصيل و هو يشق الماء عكس التيار و نحن فى طريقنا للصيد، و " ابا البشر " صديقى يمسك بالدفة فى مقدمة القارب، شارد الذهن ينظر فى الأفق البعيد و هو صامت....بدون مقدمات وجه حديثه الئ :

- انت عارف يا " مواطن " أنا نفسى فى شنو ؟

" أبا البشر " درج على مناداتى بأسم المواطن، وقد نبهته مرارا و تكرارا أنى لا أحب تلك المناداة، و عندما لم يتوقف قبلت على مضض.رددت فى تكاسل و ضجر...

- نفسك فى شنو ؟!

- أحلم أن أقبض سمكة " تونا " كبيرة الحجم كالتى قبضها ذلك الهرم فى فيلم " العجوز و البحر "...........ثم مضيفا هل تتذكر ذلك الفيلم الذى مثله " سبنسر تريسي " لقصة الكاتب الامريكى " أرنست همنجواى " ؟

- نعم أتذكر، بعدين لا توجد سمك تونا فى نهر النيل و لا حتى سمكة فى حجم ضخامتها.....سمك " العجل " النيلى الضخم أصغر منها.....بالله ما تجيب لينا " الفقر " و أنحنا لسه ما وصلنا حتة الصيد.

سكت محبطا و غاضبا فى آن واحد.

التفاؤل و التشاؤم جزء من ثقافة الصيد،لا فرق بين متعلم و جاهل،لأن تجاهل عادات الصيد يجلب النحس كما يقول قدماء الصيادين !

وصلنا الجزيرة التى نصطاد على شاطئها، قمنا بأنزال معداتنا و بدأنا بالصيد. ظلننا لساعات طوال دون أن نظفر بصيد أى سمكة و الشمس تميل نحو الغرب فى اصرار عجيب.

اتفض فجأة " ابا البشر " و هو يصيح ومقاوما السمكة التى علقت بصنارته...تعاونت معه لمدة ساعتين و نحن نقاوم حتى أخرجنا السمكة الى البر، كانت " قرموطا " ضخما بحجم بقرة. احبط كل منا....لم نكن نسطيع حمله على القارب حتى مكان سكننا لضخامته، اعطيناه لأحد الصيادين المتواجدين فى الجزيرة و أبحرنا. صديقى أبا البشر لا زال يحلم باصطياد سمكة " تونه " و من نهر النيل !!.


عدنان زاهر – يناير 2023



القرموط : سمك برمائى يمكن أن يصل حجمه لعشرات الكيلوهات و حسب تصنيف سوق السمك السودانى يعد من أسماك الدرجة الثالثة.........يتم تمليحه و تنشيفه و يستخدم كطعام لعمل " الكجيك " للعمال المزارعين الموسمين فى الجزيرة المروية، و الضهارى حيث الزراعة المطرية جنوبى مشروع الجزيرة و حتى تخوم القضارف و غرب النيل الأبيض.....فى كندا و أمريكا يسمى ال " الكات فش ".

 
 
 

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
الأستاذ عوض الكريم محمد الزبير

( أبو دقن ) ! 1 تأبطت و أنا أكتب عن صديق العمر الراحل عوض الزبير، المثل الروسي الذى يقول ( خيرا أن تتأخر عن لا تأتى أبدا ) و الذى يماثل القول الإنجليزي السائر Better Late Than Never عوض  رحل عن دنيانا

 
 
 
الى أين تتجه أمريكا تحت حكم ( ترمب ) ؟ !

1 هنالك عوامل متعددة أدت الى نشوء النازية و قبولها في المجتمع الألماني، أهم تلك العوامل كما يقول المؤرخون - و اتفق معهم - هي اتفاقية ( فرساي ) عام 1919م  التي عقدت بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى و ت

 
 
 
شهر تاريخ السود في كندا

Black History Month 1 يعتبر شهر فبراير واحد من الشهور المميزة في الروزنامة الكندية، ففي هذا الشهر الذى يهل علينا بعد غدا، يتم الاحتفال بإنجازات الافارقة الكنديين الذين ساهموا تاريخيا في ترقية و تطور ا

 
 
 

تعليقات


bottom of page