امرأة "قوس- قزحية" !
- Adnan Zahir
- 12 أبريل 2020
- 3 دقيقة قراءة
امتطى مترو الانفاق و أنا فى طريقى للعمل، انسرب منه خارجا فى محطة "ينج" ب ( الداون- تاون ) لأمضى بقية الطريق راجلا. فى احدى المرات و أنا أسير فى محطتى المألوفة سمعت صوت موسيقى شجية تنبعث من احدى الجهات. قاد الصوت قدمى و بفضول حتى أوقفنى امام شاب يعزف على غيتار و يغنى بصوت شفيف، ثم يستبدل الجيتار ب "كى بورد" ليواصل نفس الموسيقى الحنينه التى تجعل اجنحة القلب ترف.
أصبحت عادة كفنجان قهوة الصباح، أخرج مبكرا لاسمع الموسيقى فى محطة "ينج" ثم أمضى منتشياً، كانت أوجه العازفين تتغير لكن مع ثبات أزلى لجمال الموسيقى، روعتها و احترافية الصنعة.
واتتنى فكرة أن أكتب عن هؤلاء الموسيقيين مع التوثيق بأخذ صور لهم ونماذج من المزيكا التى يعزفونها. مغامرة الكتابه كانت تستهدف تاريخ ووقائع حياة الموسيقي أو العازف، المدارس التى نهل منها صنعة المزيكا، و كيف انتهى به الأمر للعزف فى مترو الانفاق!
الدرس لأول الذى تعلمته فى بحثى، أن العزف فى مترو الأنفاق ليس عيبا أو انتقاصا للعازف، كما أن (مزيكا مترو الانفاق) – هذا الاسم من اختراعى – هى اضافة نوعية للمدينة الجميله وترقية للذوق العام بها. موسيقى مترو الانفاق أو الموسيقيين الذين يعزفون فى محطات المترو، هم مجموعة يبلغ تعددها ال75 عازفا و مغنى تقوم ادارة المواصلات بمدينة تورنتو باختيارهم عبر تصفيات تجرى كل عامين ليقوموا بالعزف فى المحطات الرئيسية.
الهدف هو مساعدة الموهوبين ماديا وذلك بعرض و بيع انتاجهم الموسيقى للجمهور، بالاضافة الى النقود التى تمنح لهم من المستمعين العابرين فى الطريق، كما أن هنالك هدف آخر معنوى، يتمثل فى افساح و اعطاء الفرصة لاظهار مواهبهم لفتح ابواب اخرى لهم فى المستقبل. بالطبع قد تجد منهم بعض متوسطى و كبار السن التى لعبت الظروف الصعبه دورا فى وجودهم فى هذا المكان.
فى ذلك اليوم لاحظت أن محطة المترو لم تكن غاصة بالمواطنين كعادتها، بعض الافراد يتسكعون هنا و هنالك. لامست مسامعى صوت موسيقى مثل تدفق مياه الينابيع، شقشقة عصافير فى المغرب قبل اختفاء الضياء. وقفت مذهولا امامها، أمراة خمسينية العمر، على وجهها نظارة طبية و تردى ملابس انيقة رغم طول استعمالها. كانت فى عزفها متحدة مع الكمنجة بطريقة يصعب التفريق بينهما. اخرجت تلفونى، بدأت بالتصوير و عندما صفع ضياء الفلاش وجهها التفتت الي مندهشة كأنها خارجة من غيبوبه. وضعت الكمنجة فى مقعد قربها ثم اتجهت نحوى وخاطبتنى بشكل مهذب ان أقوم بازالة صورتها، مضيفة بأن هيئتها لم تعد صالحة للتصوير. لتؤكد ذلك أخرجت النظارة الطبيه من وجهها و مشيرة للتجاعيد اسفل عينيها. قلت لنفسى (بالطبع ليس من حقى تصويرها دون اذنها.......ثم لابرر موقفى الخاطىْ قلت ......لكن عندما كنت اقوم بتصوير الموسيقيين الآخرين من قبل، لم يعترض أحد)!....واصلت مونولوجى الداخلى ومن ثم باحساس بالخجل....... (هى ليست مطالبه بالاعتذار لى)!!
تأملت وجهها عن قرب، كانت المعرفه، الاحترام، الأنفة و الجمال الآفل يشع من هيئتها. تأسفت لها عن تصرفى ثم قمت بازالة الصورة.
تملكتنى رغبة مجنونه للحديث معها. ذهبت اليها فى مكانها و هى تواصل العزف، عارضاً التلفون لتأكيد ازالة الصورة. لم تنظر الى التلفون و خاطبتنى مبتسمه (انها متأكده انك قد قمت بالمسح)!!
قلت لها منتهزا فرصة الرد الايجابى (يقولون فى موطنى البعيد، ان عزف الموسيقى و سماعها يطيل العمر) ؟!
أرتسمت على فمها ابتسامة محايدة و من ثم أجابت و هى تواصل عزفها (من يريد اطالة العمر) !
اجابة غير مشجعه و لكن يمكن استخدامها كمرحلة لمواصلة الحديث. قلت لنفسى لأجرب مدخلا آخر استخدم فيها معرفتى الموسيقية التى استخدمها أحيانا للتواصل مع عامة الناس. سالتها منتفخا (هل ما تعزفينه هى السمفونية التاسعه ل "بيتهوفن ")؟
اجابت دون أن تحسسنى بجهلى (هذه مقطوعة صغيرة ل "موزارت" )!.......وضعت الكمنجة جانبا لتاخذ جرعة ماء من الزجاجة التى بقربها. قلت لنفسى ليس هذا اليوم يومى.
أتانى احساس و أنا اوصل طريقى الى العمل ان السبب الذى ذكرته عن عدم قبولها التصوير ليس حقيقيا، لكنى قلت لنفسى و ما دخلى أنا فى هذا!.......نفضت الموضوع من ذهنى و انشغلت بامور الدنيا.
لكننى صرت و فى احيان كثيرة، حينما استمع الى الموسيقى "السمحة" التى تطعن و تطحن الوجدان، و تمتلكنى أعلى حالات النشوة، يومض وجهها بغته فى ذهنى، اندهش للحظات ثم أظل أتسأل من هى تلك المرأة التى تشابه فى عزفها، تدرج موسيقاها وهيئتها قوس قزح!
عدنان زاهر
يناير 2017

تعليقات