الفصل الخامس- من رواية " أرض الكدندار " !
- Adnan Zahir
- 24 أبريل 2020
- 5 دقيقة قراءة
عندما يتقاسم الناس الطعام القليل الذى تنعدم الأمكانيات لجلب المزيد منه يرددون زهوا المثل الشعبى المتداول ( الفقرا اتقاسموا النبكا )!
ذلك استدعاء ماكر لتزويق الفقر و قبوله بمحاولة التشبه بسلوك المتصوفة المتمثل فى الاقلال من أكل الطعام و البعد من شهوات الدنيا،لكن " الشفوت " فى المدينة و الحى يقولون ان " النبكة " كانت امرأة!
هل استعارت " نبكة - نبقة " حلتنا الأسم من تلك المرأة؟!
"نبكة " حلتنا كانت فاتنة ببذخ مترف،فارهة الطول كالزراف و يماثل لونها لون " النبق ، عند نضوجه،هى مكتملة بشكل مدهش.
ناس الحى يقولون ان بها " عرقا " من الشوام،الاغاريق و حتى " دما " من الهنود!..قد يكون ما يرددونه صحيحا فى بعض منه، لأن الشوام و الأغاريق القادمون مع الفتح الأنجليزى المصرى و حتى من زمن " التُرك " قد تزوج البعض منهم من عامة السودانين،لكنى استبعد الدم الهندى - رغم شعر " النبكة " الذى يشابه لونه شَعر " الجيوكندا " فى رائعة " دافنشى "- ، لأن الهنود رغم وجودهم المكثف فى بعض مدن السودان و انقطاع جذورهم من الوطن الأم الا انهم عاشوا عزلة فى احياء خاصة بهم و لم يخالطوا عامة الناس.
بيت " النبقة " لا جار له،تحده من جهة الشرق و الغرب قطع خالية لم يتم بناءها،يقال أن مالكيها الذين يعيشون فى مناطق فاخرة من المدينة الكبيرة لم يكونوا حريصين على بناءها،هم يعتقدون ان الحى يسكنه اناس مقطوعى الأصل،فقراء يكسبون رزقهم باليوم و حتى الأثرياء منهم مستجدى نعمة!
البعض منهم يقول كيف السكن فى ارض كانت مركزا لسباق الخيل و الحمير، " محاحات " الطيور و مطاردة " الكدندار "؟!*
هنالك قصة مكملة لبيت " النبكة "،فمالكه سليل أحد الأسر " المحترمة " التى تسكن المدينة الكبيرة، تشكل و توجه حياتها الاقتصادية ، السياسية و الاجتماعية مع عدد قليل آخر من اسر المدينه العجوز.
المالك المجهول قد " فلت " من قيد تلك الأسرة تمردا أو افسادا فى التربية،خرج مبكرا عن سطوتها و انتهى به الأمر بأن يصبح قوادا مشهورا،حتى بنات " الناس " كن يرتدن مواخيره المتعددة فى المدينة.أهم ما يميزه من باقى قوادى البلد هو كتمانه للاسرار و حماية المتعاملات معه!
تواصل الحكاية، انه قد مات فى حادث عربة مع احد " الصبية " الصغار كان يرافقه،رفضت أسرتة ارث منازله المتعددة و من ضمنها بيت النبكة الذى قام باسكانها فيه قبيل حادثه المأساوى.
المنزل كان أنيقا بشكل ملفت و لا يشابه بيوت الحى خاصة صالونه الفسيح وردى اللون الذى يشابه باحة لأحد المسارح الفخمة،انواره الخافته المنبعثة ليلا تجعله كسفينة متوسطة الحجم فى بحر هادئة امواجه.المنزل عندما تم بناءه كان مالكه يخطط للسكن فيه عند " التقاعد "!....النبكة بذوقها المتسق مع هيئتها حافظت على بهائه.منعت الجيران من رمى الأوساخ فى القطعتين الخاليتين،جعلتها مربضا لعربات زوار الليل مع حارس يتبعه كلب ضخم الحجم، داكن اللون،مخيف الشكل يحاكى نبيحه العواء مما جعل العامه فى الحى يقسمون بانه ابن ذئب!
زوار بيت النبقة كانوا من علية القوم فى المدينة و كبارها،تقف عرباتهم الفارهة التى لم يشاهدها الحى من قبل فى المكان المخصص لها بانضباط ثابت،عددها لا يزيد عن خمس عربات يوميا ما عدا يوم الخميس الاستثنائى الذى يزداد فيه العدد." موديلات من جميع الأشكال و الانواع،صغيرة الحجم و كبيرة الحجم،عربات صفراء،حمراء،خضراء و آخرى بلون قزح.
الغناء المنبعث من منزل النبقة كان يأتى حزينا و هادئا كالسهل الممتنع، يتفادى ازعاج و استفزاز المجاورين ما عدا الآذان المتلصصه،احيان تسمع همهمات استحسان تعلو و تخفض هى الأخرى كانت بحساب موزون.عندما يصبح الهواء جنوبيا تعطر الحى رائحة الشواء الطازج، تيقظ البطون الخاوية و احيانا تدفع بعض الشباب لممارسة العادة السرية!
أغانى الحقيبة،بدايات الأغنية الحديثة،اجمل ما قيل فى شعر العاطفة و النساء نبع من هنالك والموسيقى العذبة دونت " سوناتا " حروفها فى الصالون الوردى.يواصلون الحكى، حتى المُلح و القفشات التى تروى فى المدينة صباحا مع فناجين القهوة، تصبح مصدرا لبهجة الناس كانت تصدر من هنالك،.... ’ذكر ان تغيير الحكومة الوزارى يتم فى بيت النبكا!
" الدقير " عامل الصحة الذى يؤدئ صلواته بانتظام فى جامع الحى و الذى يقع منزله فى مواجهة منزل النبقة ذهب لنقطة بوليس الحى شاكيا النبكة و زوراها الليلين راويا لما يدور فى الصالون الوردى بتفاصيل دقيقة كأنه أحد الزوار.
لدهشة سكان الحى أتت الشرطة فى اليوم التالى و قبضت على الدقير بتهمة القذف و البلاغ الكاذب و لم يفرج عنه الا بعد تدخل الأجاويد و اضطراره مرغما على سحب بلاغه!....لم يتجرأ أحد بعد ذلك على مضايقة النبكة،....حتى امام الحى الذى لم يسلم احد من لسانه السليط لم يتحدث يوما " بمكروه " عن النبكة و يردد انه كان " مبسوطا " من رحلات النبكة الأسبوعية شرقا و غربا!
المتلصصون فى الحى يقولون سرا ان الأبن الأكبر لاولاد بانقا، و الأصغر لأسرة صديق من الزوار المستديمين للصالون الوردى.
" النبكة " لا تخرج من منزلها الا مرتين فى الاسبوع،مرة لبقالة الخضروات فى الجزء الغربى للحى و مرة أخرى الى منزل حواء " ست الكسرة " فى الجزء الشرقى و هما يقعان فى الشارع الرئيسى الذى يمر من امام منزلها، كان ذلك وقتا للشوف و الاحتفال.للنبكة من المساعدين ما يكفيها قطع مشقة الشارع شرقا و غربا،لكن العارفين يقولون ان ذلك المرور كان لاثبات الوجود ، نكاية للخصوم ،غيظا للطامعين و موتا للمتيمين!
كان يوم الاثنين هو موعد زيارتها لبقالة الخضروات،تلبس أبهى ملابسها، " تتجدع " فى مشيتها كعروس بعد ليلة زفافها،تقف الحركة فى الشارع الطويل،يصطف الرجال فى الشارع للقيام باداء اعمال زائفة وهمية اما ابواب المنازل " المتاكية " فقد كانت نظرات النساء المتواريات من خلفها تخترق النبكة غيرة و حسدا.
اما يوم الخميس موعد زيارتها لحواء " ست الكسرة "، فقد كان عدد المتواجدين فى الشارع يضاهى العدد الذى يأتى لمشاهدة كرة قدم الروابط فى ميدان الحولية،النبكة كانت لا تهتم بما حولها و كأنها تهيم فى عالم بعيد عن الحى و المدينة.
كانت " النبكة " تجلس ساعات طوال مع حواء و كان ذلك سببا فى التضجر من المتجمهرين تحت الشمس فى الشوارع المتربة ، تحت ظلال الاشجار القليلة التى لا تقى حرا او المتواريات خلف الابواب " المتاكية " فى انتظار أوبة " النبكة ".
آمنه الكاشفة قالت فى غضب فى احدى تلك المناسبات ( " صالبانا " ساعات تحت الشمس علشان تتونس مع حواء الشينه ام شلاليف زى " الكدروك " )!
ما كان يثير حنق ناس الحى أيضا ان ود النيقة الصغير نظيف الهئية و الطلعة، مجهول الأب و الذى لا يخالط ابناء الحى، كان مسموحا له اللعب فقط مع اولاد حواء الذين يجبرون على الاستحمام مرة كل اسبوع!
حدث ما لم يكن فى حسبان احد فقد سقطت النبقة فجأة ارضا فى احدى جولاتها الاسبوعية،بهت الجميع كأن الأمر مزحة،عندما خف الجمع لمساعدتها كانت " النبقة " لا حياة بها!...عندما فارقت الدنيا كانت قد احتفلت قبل يوما بعيد ميلادها الثلاثين.
شوهد عدد ضئيل يمشى فى تشييعها من ضمنهم عبدالبارى و حواء " ست الكسرة " التى أصبحت اول أمراة تشاهد فى المقابر.امام الجامع أوكل لمساعده الصلاة عليها، من قاموا بحفر القبر يقولون انهم لم يشاهدوا من قبل قبرا تربته " هشة " كتربة قبر " النبكة ".بعد انتهاء العزاء اتت عربة فخمة مجهولة أخذت بسرعة و توجس طفل " النبقة " و لا يعرف احدا مصيره حتى اليوم!
آمنة الكاشفة قالت و هى تحكى ( أنا شفتا بعينى دى " النجمة ام ضنب " فى السما قبل يوم من موتا،و انتو عارفين النجمة دى ما بتظهر الا تكون فى مصيبة أو زول مهم داير يموت.غايتو زى ما عرفت فى المدينة مافى زول مات ) تواصل و هى " تمصص " شفتيها منهية حديثها بتساؤل خبيث ( هسع بس معقول " النجمة ام ضنب " دى ظهرت عشان " النبكة " )؟!
عبدالبارى قال بحزن صادق أدهشنى ( الله يرحمها النبكة )!
صعلوك الحى " رب الخطر " قال، و هو نصف منتشى فى طريقه المعهود للحى " الغربى " لشرب المزيد ( عين.. و الله العظيم عين ......نسوان الحلة الحاسدات ديل ضربوها عين )!
اختفت البهجة و الغنا السمح من المدينة،ازدادت قهوة الصباح مرارة دون مُلحها، أما حواء " ست الكسرة " فقد صمتت بعد عودتها من المقابر، اصبحت خرساء و اندثرت بعد موتها أيضا أسرار " النبكة " التى لم تُحكى لغيرها!
*الكدندار: نوع من الحشرات يشبه الزنبور يتواجد و يتكاثر فى فصل الخريف فى أشجار القرض، و هى أشجار تنمو على ضفاف النيل أو المناطق غير المأهولة بالسكان،كان الأطفال فى الماضى يصطادونه للعب به
الفصل السادس
السوق

تعليقات