العمارة أو مستنقع التعذيب
- Adnan Zahir
- 1 سبتمبر 2020
- 3 دقيقة قراءة
العمارة*
مداخلة - الأسباب
قررت بعد فترة ليست بالقصيرة،و تردد استنفد وقتا ،ووقفه متأنية مع الذات كتابة و سرد ما حدث لى فى النصف الأول من عام 1992 بالعمارة الواقعة فى الحى الشرقى للخرطوم و الذى يطلق عليه حى المطار، و ذلك لقرب موقعه من مطار الخرطوم الدولى.ذلك الحى المتنأى و الملفت فى عزلته، و الذى يسكنه فى العادة كبار موظفى الدولة فى السودان و المتنفذين فى سياساته ، كبار ضباط القوات المسلحة و الشرطة جنبا لجنب مع اساتذة الجامعات. باختصار هذا الحى تسكنه الصفوة التى تحكم و الصفوة التى تساهم فى تكوين الفكر و توجيهه.
دافعى للكتابة بعد هذا الصمت الطويل و الذى أمتد لعدة سنوات أسباب عدة أحاول اختصارها فى الآتى :
1- الاحتفاظ بالوقائع أو ما سوف أقوم بسرده فى الذاكرة، و لفترة أطول من الفترة التى ظللت محتفظا بها ، يجعلها عرضة للنسيان مع تقدم العمر و مشاغل الحياة كما يعمل على تآكل التفاصيل الصغيرة.
التفاصيل الصغيرة قد تكون فى أحيانا كثيرة مملة فى سردها لكنها تمثل أهمية قصوى فى حالتى لأنها تكشف و تعري ما كان يقوم به زبانية النظام الفاشى الاسلاموى فى السودان.
2- السبب الآخر و المهم لكتابتى هذه السطور هو انهيار الحاجز النفسى الذى كان يقف سدا أمام الكتابة.فبعد الخروج من تلك التجربة المريرة و الفريدة فى آن واحدأ – و على المستوى الشخصى – ظلت الذاكرة الماكرة تتفادى ارجاع ذلك الشريط ،بل أحيانا تشطط فى ذلك و تحاول اسقاطه كليا،و يبدو لى ان ذلك كان دفاعا غريزيا من الذات لاسقاط و ابعاد ذلك الكابوس فى محاولة منها للاحتفاظ بالتوازن العام و أمتلاك القدرة على المعايشة و الاستمرار،الآن قد أنكسر ذلك الحاجز باكتساب التجربة و النضوج.
3- ايمانى العميق و اصراري بأن كل من شارك فى تعذيبى و تعذيب الكثيرين يجب أن ينال الجزاء المناسب و الرادع،كما أن توثيق تلك الأحداث و كشف الجناة يردع الآخرين و يغل آياديهم من الممارسات التى يمارسونها كما يمنع أى سلطة تحكم السودان من ممارسة ذلك النهج الذى يتعارض مع القانون،الدستور و أبسط القواعد الانسانية.
4- ان ممارسة التعذيب فى السودان كمحاولة لاقصاء الآخر و تغيبه،يجب يختفى كظاهرة فى العمل السياسى،لأن ذلك النهج له مردوده السلبى على تطور العمل السياسى و على مسيرة الديمقراطية.
كما أن ذلك السلوك المستهجن يضع أرضية ثابته مستقبلا لاعادة انتاج ممارسة العنف و الارهاب مما يستوجب الوقوف ضده بصلابة.كما لا يخفى على أحد أن انتشار العنف فى بلد كالسودان – هش البناء القومى – سوف تطال أثاره الجميع و سيكون من الصعب بل المستحيل ايقافه، و سوف يكون المتضررين منه هم من قاموا بابتداعه و ادخاله المجال السياسي.
5- ان مجموعة كبيرة من السياسين و غير السياسين مروا بتجربة التعذيب فى ظل حكومة الانقاذ الاسلاموية الفاشية و لدى اعتقاد جازم ان أكثرهم ان لم يكن جلهم يتفادون الخوض فى ذكريات هذه التجربه المؤلمة.البعض منهم اكتفى بكتابات الآخرين عن هذه التجربه كما ان للبعض الآخر أسبابه الخاصة المانعة من الكتابه،لكننى أود أن أسجل أن لكل تجربة خصوصيتها، تميزها و اختلاف انعكاساتها و تأثيرها من فرد لآخر لذى من المهم تسجيل كل تجربة على حدة برغم المرارة التى تحسها و أنت تكتب عنها....أنها اضافة فى سجلات العمل السياسى.
6- جبلت الشخصية السودانية فى عمومها على التواضع و الحياء و تفادى الحديث عن الذات ما أمكن ذلك ،و تلك مثلبة يجب علينا تجاوزها فليس كل حديث عن الذات تباهى،و قد تضرر الوطن و التاريخ كثيرا من ذلك الأنزواء و الانكفاء، فذاكرة التاريخ ليست على الدوام حافظة فالتوثيق أصبح منهجا عصريا لاثراء تجارب الشعوب و تلاقح الأجيال.
7- ظلت سلطة الأنقاذ الحاكمة فى السودان و لا زالت منكرة لوجود التعذيب أصلا فى معتقلاتها و بيوتها المشبوهة لذى يظل واجبا مقدما لكل من مر بهذه التجربة كشفها و سرد تفاصيلها لتعرية كذب و زيف السلطة و لايقاف هذا النهج البربرى و الهمجى.
8- بالرغم من دخول الألفية الثالثة فلا زالت قضايا حقوق الانسان تحتل المقدمة فى الأجندة الأنسانية و لا زال أضطهاد الآخرين و فرض الرأى الآخر يمارس على نطاق واسع و فى اجزاء كبيرة من العالم، كما لا زالت قضايا التعذيب و القتل السياسى من أهم الجبهات التى يخوض فيها دعاة حقوق الأنسان حربهم و تصديهم للأنتهاكات.
9- بالرغم من مرور عشرة أعوام على هذه الأحداث فلا زالت قضايا وطنى هى .....هى، و لا زال التعذيب يمارس على نطاق واسع و اوكاره موزعة على أمتداد العاصمة القومية و الأقاليم ،و ضحاياه من السياسين و غير السياسين يمثلون نسبة معتبرة من المواطنين.كما لا زالت العمارة تقف فى مكانها طوطما مستفزا للمشاعر و عنوانا للقهر ،التسلطة و تحديا للانسانية.
لهذه الأسباب و غيرها قررت كتابة ما حدث لى فى تلك العمارة و كانت البداية....
عدنان زاهر
القاهرة مارس 2001
* العمارة
ثلاث عمارات تقع فى حى المطار بالقرب من القيادة العامة للقوات المسلحة، قام ببناءها الروس للسكن فى عهد نميرى و استخدمت لاحقا فى عهد الانقاذ ( نظاما الجبهة القومية الأسلامية الفاشى ) مركز لقيادة جهاز أمنهم و ممارسة التعذيب على المعارضين لنظامهم

تعليقات