الرصيف !
- Adnan Zahir
- 1 مايو 2021
- 4 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 17 نوفمبر 2023
الحديقة المفرهدة تقع على الضفة الغربية من نهر النيل،تواجهها من الناحية الشرقية جزيرة توتى بنخيلها الباسق القوام .الرصيف يخرج كلسان من جانب الحديقة الشمالى و يمتد لمسافة ثلاثين مترا حتى يتعامد مع " بحر سماحة "، و تفصله من " الطابية المقابلة النيل " حوالى أربعين مترا.أمام الرصيف يمر شارع من الأسفلت يربط بين طرفى المدينه الشمالى و الجنوبى.
جلسوا على الرصيف الذى لا يبعد كثيرا من شارع النيل المسلفت الذى تظلله أشجار " اللبخ " مهاب القامة و الطلعة.الجلسة تبدأ عادة عصرا فى الثالثة و النصف تماما،عددا منهم لا يأتى متطابقا مع الزمن و لكن أذا تأخر حضوره فهو لا يتعدى الرابعة و النصف،و تنتهى القعدة عند مغيب الشمس و قد داوموا على ذلك زهاء الثلاث أعوام.
" سالم " طويل القامة مفتول العضلات كان يعمل استاذا للرياضيات فى المدارس الوسطى و احيل للتقاعد بعد السن القانونية، يداوم على قراءة التاريخ و يعشق التربية البدنية و مثله الذى يتبعه فى الحياة ( العقل السليم فى الجسم السليم ).السؤال الذى يدور فى اذهان الشلة دون أن يجرؤا احدا على القذف به فى وجه سالم ...كيف استطاع الجمع بين تلك المتناقضات ...علم الحساب و المعادلات ، التربية البدنية و التاريخ !!
" تنقو " يعمل فى مصلحة المخازن و المهمات و يقال انه صناعى ماهر لا يضاهيه أحدا فى مهنته، بالرغم أن لا أحدا من الشله يعرف صنعته بالتحديد !!....كل ما تعرفه الشله عنه على وجه التأكد، ان لا أحد يضارعه فى عمل حلة " القطر قام " التى تطبخ عقب قعدة العصرية عندما يتنفس البحر هواءه المنعش للذكريات ليلا !
" أبو " و هو اختصار للأسم المركب ( أبو كلاب ) المستمد من صداقته الدائمه لها، و أربع منها تتبعه على الدوام. يرتدى جلباب متسخ يتعارض مع ابتسامته البشوشه و المشرقة طوال الوقت اضافة الى طيبة قلبه و سماحة طبعه، الشلة لم تعرف له مهنة و لم يسأله أحدا.....لا أدرى تهذبا ام لا مبالاة !!
مع اعمارهم التى تجاوزت الخمسين فقد كنت ابنا مجازيا لهم بسنين عمرى التى لم تتجاوز السادسة و العشرين ووجهى الطفولى، لكن بالرغم من ذلك فقد تم قبولى فى الشلة عضوا كامل الحقوق و الواجبات بل صرت محبوبا من قبل الجميع.
تلك الشلة المتافره فى كل شئ كانت تجمع بينهم ألفة عميقة ،الحديث و الحكى عند الشلة يأتى عفو الخاطر و ليس بالضرورة أن يكون متسقا بما سبقه من حديث أو منطق ،كما ليس لزاما على أفراد الشله أن تسمع بأذن صاغية لكل ما يقال، لكن فى العادة يكون أحدا منهم مهتم بما يطرح.
قال أبو ( الكلاب بقت ما بتعاشر بالرغم من أنو الزمن ده وقت التناسل ) !!
عقب تنقو ( اشتريت بطيخة " روثمان " طلعت بيضا ) !!
ضحك الجميع.
خيل الى بعد جهد أن أخمن سبب الضحك ( لعلها المقاربة العبثية بين تناسل الكلاب السنوى و موسم نضوج البطيخ الروثمان )!!
قال سالم المعلم الوقور بصوته الجهورى الذى ألزم الجميع بالانتباه لما يقول ( كان الجنود الذين يعملون بهمة و نشاط فى بناء " الطابية المقابلة النيل " و فى أوقات الراحة يأتون للجلوس على هذا الرصيف لتناول طعامهم و الأستجمام ).
تداخلت بصورة عفويه قائلا ( و لكن فى ذلك الزمن لم تكن هنالك حديقة أو رصيف )!!
نظر الى الجميع فى حدة ممزوجة بالتساؤل، فعرفت أننى قد تجاوزت حد الخطابة مع كبار القوم أو قد تجاوزت قواعد و فلسفة الجلسة الرصينة....أيهما ،أنكمشت فى موقعى و شردت متأملا مدخل النيل
( " بحر سماحة " كما يسميه الآخرون من خارج الحى،كان ملتقى للسرور و البشارة، يأتى اليه الناس من جميع نواحى " أم در " لتقديم فروض الوفاء، الاذعان و التبرك لاله النيل.كان القادمون يمثلون شرائح مختلفة من المجتمع....المتزوجين الجدد " المسيرين " بالعديل و الزين ، النساء اللاتى أضفن مولودا جديدا للحياة أو أولئك الأطفال الذين بترت قضبانهم تمهيدأ لمرحلة الرجولة...........كم هى عامرة هذه المنطقة بالتاريخ و البهجة الاجتماعية )!
قطع علي هذا التفكير مريح التداعى خفوت ضياء الشمس و هى تحث الخطى مسرعة نحو المغيب، و أصوات الشلة و هم يتواعدون الى لقاء فى اليوم التالى ، لم يكن احدا من أفراد الشلة يعرف مكان سكن الآخرين !
" ابو " تحرك بكلابه نحو الشمال الشرقى متجها ربما الى جنينة " دار صليح " أو منطقة أبوروف.....
المعلم الوقور أتجه نحو الشمال الغربى ربما الى حى العرب أو العرضة....
" تنقو " اتجه نحو الجنوب الغربى و كما عرف من معلوماته المتناثرة من هنا و هناك فهو يسكن منطقة الموردة " الفوق "...
اما هو فقد اتجه الى الحى الذى لا يبعد كثيرا من الرصيف لأخذ حمام منعش و الذهاب مع أصدقاء الحى اما الى دور السينما، أو الجلوس امام منزل أحد الأصدقاء حتى منتصف الليل.
حاشية
لم يستطع الذهاب للقاء " شلة الرصيف " فى اليوم التالى ، فقد كان منشغلا بالمغادرة للعمل فى بلد آخر .عند عودته بعد عدة أعوام لم يجد للشله من أثر ...عند السؤال الملح عنهم علم فقط أن أخبارهم قد أنقطعت منذ وقت طويل !!
وجد أيضا أن حديقة " الريفيرا " قد تحولت الى مطعم فخم يؤمها القادرين فقط ، أزيل الرصيف الممتد كلسان و المواجه لشارع الأسفلت، " بحر سماحة " تحول الى مربض لباخرة تدعى " البوردين " لا أحد يأتى لمشاهدتها أو معرفة تاريخها..... اما الجزء الشمالى ل " الطابية المقابلة النيل " فقد تحول الى مركز تجارى ضخم يحمل اسم " الحوش " تجاوره صالة ضخمة للاعراس.......... أندثرت معالم أمدرمان و تاريخها مع " المغول " الجدد !!!

تعليقات