التسامح و العنف فى السياسة السودانيه – تاريخ ممتد من القهر !
- Adnan Zahir
- 18 يونيو 2020
- 7 دقيقة قراءة
الجزء الثانى
عنف الاستعمار الانجليزى المصري ضد الحركة الوطنية !
لم يكن الاستعمار الأنجليزى المصري الذى قضى فى 2 سبتمبر 1898 و فى ظرف خمسة ساعات على احدى عشرة آلف جندى سودانى و خلف عشرة ألف أخرين جرحي، على استعداد للتنازل عن عنفه فى لجم المقاومة السودانية .منذ ايامه الأولى تعامل مع كل اشكال المعارضة بعنف مفرط الغرض منه اثناء اى شخص حتى من التفكير فى معارضة النظام الحاكم.
قضى على تمرد الكتيبه السودانية عام 1900 و قام باعدام أكثرهم ، حادثة الشكابة التى أعدم فيها الخليفة شريف و أبناء المهدى الفاضل و بشرى، قضى على دعوات المهديون الجدد فى مهدها و قام باعدام قادتها محمد برنو فى دارفور،حركة السحينى فى دارفور و نفيه الى حلفا،حركة محمد آدم الدنقلاوى فى سنجه 1904 . قام باعدام ود حبوبه فى الجزيرة بشنقه على شجرة نيم لا زالت تقف فى حوش محكمة الكاملين دليلا على صلف و دموية المستعمر، ثم علق جسده فى قريته ( حلة مصطفي )!!
تنامت و تمددت الحركة الوطنية فى كل بقاع السودان ضد المستعمر....... يعرف القدال بأن ( الحركة الوطنية نقله فى وعي الناس لايجاد صيغة يعيشون تحتها فى اطار جغرافى محدد يجمعهم تراث،لغة ووجدان محدد ). * 7
اشتعلت الانتفاضات فى الجنوب( الدينكا و النوير و الزاندى ) ،فى الغرب ( جبال النوبه – الفكى على 1915 ) كما أعلن على دينار سلطان دارفور تضامنه مع الدولة العثمانيه و انضمامه لدول المحور التى تشكلت من الامبراطورية الألمانيه،الدولة العثمانية،امبرطورية النمسا و المجر و المملكة البلغارية.
تعاملت السلطة الاستعمارية مع كل تلك الحركات بحزم و عنف صادم، و أرسلت التجريدات المقاتله لكل مناطق اللهيب.ارسل جيش ضخم لدارفور و تمت هزيمة على دينار فى معركة برنجية 22 مايو 1916 و بعد انسحابه الى جبل مره قتل فى معركة عابره و برصاصة طائشة فى 6 نوفمبر 1916 .
على مستوي العاصمة بدأت الحركة الوطنية بشكل هادئ و لكنه يسير باصرار الى الامام،فقد انشأ منتدى اجتماعي فى الخرطوم فى العام 1920 هدفه المعلن المشاركة فى الحياة الاجتماعية و لكن نشاطه تدرج ليشمل العمل السياسى و منه تشكلت جمعية اللواء الابيض التى انبثقت من جوفها ثورة 1924.
ثورة1924 بقيادة الزعيم على عبداللطيف كانت علامة فارقة فى الحركةالوطنية باعتبارها تمثل الشعب السودانى و ليس قبيلة أو طائفة دينية.انتبهت السلطة الاستعمارية لخطورة الحركة الجامعة بشعاراتها و سلوك عضويتها، لذلك و السلطة الاستعمارية مدعومة بموافقة و سند الطائفيه محور ( عبدالرحمن المهدى- على الميرغنى و الشريف الهندى ) قامت بقمع الثورة، اعدام و نفى قادتها و تشريد عضويتها.
مضى زمن طويل و الحركة الوطنية فى سكون و كمون بعد تلك الضربات الموجعة التى وجهت لها،لم تتحرك بعدها الا فى بداية ثلاثنيات ذلك القرن و تكوينها الأندية الثقافية ( منتدى ابوروف- الموردة الهاشماب – الفجر الجديد )،تلك الأندية التى انبثقت منها الاحزاب السياسية بعد انعقاد مؤتمر الخريجين فى العام 1938.
الحركة السياسية السودانية السودانية بعد الأستقلال - استمرار مسيرة العنف
حوادث مارس 1954
لا بد لنا من مدخل تاريخى لالقاء الضوء على تلك الفترة لمساعدة القارئ للالمام بالجذور السياسية التى تسببت فى وقوع احداث مارس 1954 .
فى فبراير 1953 وقعت الاتفاقية بين الحكومة البريطانية و المصرية التى أعطت للسودان حق تقرير المصير على أن يسبق ذلك فترة حكم ذاتى لا تزيد عن ثلاث سنوات يتم فيها تصفية الحكم الثنائي،و يبقى خلالها الحاكم العام فى منصبه رمزا للسيادة و معه لجنة خماسية دولية.
تشكل أول برلمان سودانى من مجلس الشيوخ و النواب ،بعد الانتخابات التى جرت فى نوفمبر 1953 و أعلنت نتائجها فى 13 ديسمبر 1953 .فاز فى أغلب دوائر المجلسين الحزب الوطنى الاتحادى بقيادة الزعيم الازهري بعد اكتساحه لمجلس النواب الذى يتكون من 97 عضوا ب 51 عضوا و مجلس الشيوخ الذى يتكون من 30 عضوا ب 23 عضوا و بذلك أصبح اسماعيل الازهرى فى 6 يناير 1954 أول رئس للوزاء فى السودان بعد فوزه على المحجوب الذى أصبح زعيما للمعارضة* 8 .
فى 9 يناير أعلن الأزهري حكومته المكونه من أحد عشر وزيرا ثلاث منهم جنوبين لا يحملون حقائب وزارية و ثلاث آخرون حملون اكثرمن حقيبة وزارية!!!! *9
واجهت حكومة الازهري منذ بداية توليها الحكم مصاعب و صراع تمثل فى ثلاث محاور
محور الاستقلالين الذين يرفضون أى وحدة أو اتحاد مع مصر ( الانصار )
محور الختمية الذين يعترضون على الازهري بتوجه العلمانى
والمحور الثالث الذى ينادى بالاتحاد مع مصر
تبلور ذلك الصراع فى العنف الذى وجهت به زيارة محمد نجيب للسودان فيما أصبح يعرف لاحقا بحوداث أول مارس 1954 .
حضر محمد نجيب و صلاح سالم بعد دعوتهم لحضور افتتاح البرلمان السودانى،الانصار كانوا يعتقدون ان ذلك محاولة للتدخل فى الشأن السودانى من جانب المصريين.وقع اشتباك من جانب الانصار المحتشدين ( تعددادهم وفقا للجنة التحقيق كان 6000 ) و البوليس فى ميدان " " كتشنر " و هو الميدان شمال مبنى وزارة المالية و غرب قصر الرئاسة حاليا و كانت النتيجة 34 قتيلا،كما غادر محمد نجيب و صلاح سالم السودان صبيحة يوم الثلاثاء الثانى من مارس.
سيظل تحشيد الانصار من قيادة حزب الامه فى العاصمة لارهاب الشارع السياسى ظاهرة متكررة ابان الديمقراطيات.أصبح هذا التحشيد الأنصاري يطلق عليه فى الأدب السياسى أسم " عنف البادية " و هو الوصف الذى أطلقه سكرتير الحزب الشيوعى عبد الخالق محجوب على هذا المنهج المتكرر.
عنبر جودة
فى 16 -17-18 فبرايرلعام 1956 وقعت أحداث عنبر جودة و هو مشروع فى جنوب الجزيرة بالقرب من كوستى. تجمع المزارعين احتجاجا على عدم دفع صاحب المشروع لمستحقاتهم من الارباح لمدة ثلاث سنوات ( شركة عبد المنعم محمد- عبدالحافظ عبد المنعم ) فأطلقت الشرطة الرصاص لتفريقهم فقتلت منهم 25 مزارعا ، ثم زج بباقى المحتجين و عددهم 189 مزارع فى عنبرضيق فى مركز للبوليس ،مات معظمهم بالاختناق و الحرارة ولم ينج منهم غير 86 فى حالة خطرة.* 10
وقع ذلك الحدث فى اقل من شهرين من اعلان استقلال السودان و فى ظل أول حكومة وطنية ديمقراطية ( حكومة الازهري ).الصراع فى جوهره محاولات استغلال الرأسمالية المحلية و الاجنبية للمزارع المسحوق.كان ذلك العنف ابان باكورة الحكم الوطنى بعد الاستقلال،لم يحاسب من قام بارتكاب الجرم .
حل الحزب الشيوعى ابان الديمقراطية الثانية !
ان حل الحزب الشيوعى السودانى فى العام 1965 هو قمة الكوارث فى تطور المسيرة السياسية السودانية. كان ذلك سلوك و منهج يفتقر الى الحس السليم، الجهل فى ممارسة الديمقرطية ثم اعمال الحقد الأعمى من قوى سياسية تستهدف الحزب الشيوعى ناسفة فى سبيل ذلك مسائل مبدئية و جوهرية فى سبيل الحصول على مكسب آنى.هذا السلوك المشين غير المسوؤل سوف ترتبت عليه تداعيات عان منها الشعب السودانى كثيرا و أثرت سلبا فى مسيرة تطوره السياسى.
بعد انتصار ثورة اكتوبر 1964 و تمدد قوى الديمقرطية المنادية بالعدالة الاجتماعية و من ثم فوز احدى عشر من الشيوعين فى دوائر الخريجين،استشعرت قوى اليمين بالخطر و كشرت عن انيابها و من ثم تضافرت عدة عوامل لازاحة الحزب الشيوعى من الساحة السياسية.
عوامل خارجية
1- انتصار ثورات التحرر الوطنى فى ستينات القرن الماضى فى كل من مصر و اعلانها القوانين الاشتراكية،سوريا ، العراق ،انهيار حكم الامام فى اليمن و قيام الثورة فى الجنوب اليمنى أوقع الرعب فى قلوب ملوك الخليج و البترول فتحالفوا يدفعهم الحرص على مصالحهم لوقف ذلك التمدد.
2- قامت القوى المنادية بالوقوف ضد المد الشيوعى، بدعم قوى الثورة المضادة فى المنطقة
عوامل داخلية
1- تحالف الرجعية السودانية مع شيوخ النفط
2- بروز قوى اجتماعية هى وليدة العنف البرجوازى لها مصالحها و تحالفها مع العسكر و من ثم مع قوى الطائفية و اليمين.*11
3- اتساع مظلة القوى الاجتماعية التى تدعو الى العدالة الاجتماعية و من ثم فوز احدى عشر نائب شيوعى فى دوائر الخريجين أرعبت قوى اليمين.
4- تحالف قوى اليمين فى السودان بقيادة الأزهري المجروح* 12 و المهدد فى الدائرة الجنوبية امدرمان من قبل الحزب الشيوعى،و امتشاق الصادق المهدى و الترابي سلاح الالحاد الدينى و الخطر من الشيوعية الملحدة.... يقول القدال فى كتابه معالم فى تاريخ الحزب الشيوعى السودانى ما يلى ( كان الصراع حتى العام 1958 ليبراليا علمانيا و ظلت الفئات الحاكمة تعمل تحت ظل النظام البرلمانى دون أن تلجأ الى نظرية اسلامية تستند اليها ) ص 152
فى ذلك الفوران السياسى و الظروف المعقدة داخليا و خارجيا تفجرت الأحداث فى يوم 9/11 / 1965 .فى ندوة نظمتها جبهة الميثاق الاسلامى بمعهد المعلمين العالى بام درمان عندما قام أحد الطلبه معرفا نفسه و مدعيا انه ماركسى بالاساءة الى بيت النبى محمد و خاض فى حديث الأفك. بالرغم من الطالب ليس شيوعيا و يصدر صحيفة حائطية فى المعهد يهاجم فيها الحزب الشيوعى و رغم قناعة القوى السياسة المتحالفة بكل ذلك الا انها أصدرت قرارا بحل الحزب الشيوعى و طرد نوابه من البرلمان *13
عدل الدستور دون نصابه القانونى و طرد نواب الحزب الشيوعى من البرلمان.
فى الدعوى الدستورية التى اقامها الحزب الشيوعى ضد حله امام المحكمة العليا ، حكم قاضى المحكمة العليا صلاح حسن فى 22 /12 / 1966 معلنا ان الحريات الدستورية المنصوص عليها فى المادة الخامسة من الدستور المعدل لسنة 1964 لا يجوز الحد منها بتشريع أو تعديل دستوري.ثم حكمت المحكمة بعدم دستورية التعديلات التى اجيزت يوم 22 / 11 /1965 و الغاء كل ما تعلق عليها من تشريع و اعتباره كأن لم يكن.
فى 20 / 2 /1967 أصدرت محكمة مديرية الخرطوم حكمها فى القضيتين المتعلقتين بحل الحزب الشىوعى و طرد نواب من البرلمان و قضت ببطلان القرارين لتعارضهما مع الحقوق الأساسية التى نصت المحكمة العليا بأنها حقوق لا تقبل التعديل.
ذلك الحكم التاريخى الذى يعتبر شمس فى تاريخ القضاء السودانى لكونه عاكسا لتمسك الهيئة القضائية بالدستور و القانون...... قد رفضه الصادق المهدى واصفا اياه بانه قرار تقريرى !!!!!!!
كتب عبد الخالق محجوب نصا تحليلا فى جريدة أخبار الأسبوع بتاريخ 27/3/1969 ، أري أنه لا زال نابض بالحيوية يستوجب الانتباه اليه
( ان الديمقراطية الليبرالية تقف حجر عثرة فى سبيل الطريق الرأسمالى فى السودان،و تشكل عقبات أمام الأندفاع السريع لخلق مجتمع مختلط من الرأسمالية و مواقع التخلف،يقع تحت تلك القوى و قيادتها و ديكتاتوريتها ) يواصل ( ان التنمية فى طريق طريق الرأسمالية تقترن فى السودان بالعنف،هذا العنف يشمل العنف البدنى أيضا . فقد برهنت الاحداث أن الديمقراطية اللبرالية ليست بواسطتها أن تدفع الطبقات المالكة السير بسرعة و يسر فى ذلك الطريق ).
( ان المقومات الضرورية للتنمية الرأسمالية وفق المفاهيم الغربية السائدة هى الخبرة الفنية و رأس المال لبناء الهياكل الاقتصادية.و قد بدأ التحضير لدورها بواسطة العنف العسكري و استبدال الفئات اللبرالية بالحكم العسكرى. و اقوى وليدة العنف العنف البرجوازى ظلت راضية عن الاستقرار العسكرى ) .
نواصل...
مراجع
7- محمد سعيد القدال – تاريخ السودان الحديث
8- د أحمد أبراهيم أبو شوك – السودان السلطة و التراث – 2018
9 - نفس المصدر السابق
10 – د محمد سعيد القدال – معالم فى تاريخ الحزب الشيوعى السودانى – 1999 ص 90
11 – د محمد سعيد القدال – حل الحزب
12- كان هنالك عمود يومى " من طرف الشارع " يكتبه الصحفى عبدالله عبيد الذى - انقسم لاحقا من الحزب الشيوعى -.......ذكر د القدال ان ما كان ينشر فيه.... ينتقد الازهري بشكل فج لا يليق بزعيم وطنى، أغضب الزعيم الأزهري و جعله يحمل غضبا مستبطنا ضد الحزب الشيوعى.
13 – فى الجلسة التى تم فيها حل الحزب الشيوعى و طرد نوابه تحدث الترابى قائلا ( ان حديث الطالب الغر ليس هو السبب الذى به يطالبون بحل الحزب ) ثم موجها للحزب الشيوعى خمس تهم هى ( الايمان،الأخلاق،الديمقراطية،الوحدة الوطنية،الاخلاص للوطن ).
هذا القول يؤكد ان الخطة كانت مبيته لحل الحزب وفقا لأجندة الأخوان و الطائفية المتحالفة مع الأزهري.
يجدر بنا فى هذا المقام أن نذكر ان شخصا واحدا فقط وقف معارضا لذلك السلوك الذى انتهك جوهر الديمقراطية الا و هو النائب حسن بابكر الحاج عن الدائرة3 الوطنى الاتحادى.

تعليقات