التسامح و العنف فى السياسة السودانيه – تاريخ ممتد من القهر !
- Adnan Zahir
- 12 يونيو 2020
- 5 دقيقة قراءة
1
توطئة
درج الساسة، رجال الدين و بعض المفكرين فى السودان على القول بان السياسة فى السودان طابعها التسامح، مستندين فى ذلك الى ارث بالى فى الثقافة العربية الاسلامية أو مُدعمين لوجهة نظرهم تلك بامثلة من الحياة السياسية و الاجتماعية فى السودان.الأمثلة المستمدة التى يتناولونها تتمثل فى قولهم ان علاقات الأحزاب فى الحياة العامة الاجتماعية تسير بشكل طبيعى خاصة فى المآتم و الأفراح لا يعكر صفوها أى خلاف و ذلك دليل للتسامح فى السودان.
أعتقد أن تناول ظاهرة التسامح و العنف بتلك الطريقة الاستفزازية فيه قراءة مغلوطة للاحداث الماضية كما هوأيضا يفتقر للتحليل العميق لوقائع التاريخ و تقود الى استخلاص نتائج تعيق تطور الحياة السياسية فى السودان و لا تعمل الى اصلاح سلبياتها. البعض قد توصل لتلك الاستنتاجات بحسن نية أما الغالبية العظمى فقد توصل اليهاعن قصد تحقيقا و حماية لمصالح سياسية و اجتماعية.ترديد تلك المقولة بكثرة فى المنتديات،الصحف و اللقاءات الجامعة جعلها مثل القانون الذى يصعب الاختلاف معه.
فى رأي ان العكس هو الصحيح،و ذلك أن العنف السياسى كان هو السائد، كما ان تجاهل مبدأ التسامح و الضيق بالرأى الآخرالى حد العزل السياسى و تصفية المعارض فى احيان كثيرة هى السمة المميزة للمسيرة السياسية فى السودان.هذا الزعم الذى اتبناه استند فيه على وقائع و احداث التاريخ السودانى منذ نشأة الدولة المركزية و حتى تاريخنا المعاصروسأقوم باستعراض جزء منه بشكل مختصر لتدعيم وجهة نظري راجياً بأن لا يخل بالمضمون.
2
الدولة التركية حكمت السودان منذ العام 1821 و حتى العام 1885 الذى يؤرح لسقوطها تحت سنابك خيول ثوار المهدية ،الغرض من تناولنا لهذه الحقبة لأنه يؤرخ لبداية الدولة المركزية فى السودان كما أن شكل ذلك الحكم و ممارساته فى تلك الفترة ألقت بظلالها على مجمل المشهد السياسى لاحقاً.
لا أود الغوص عميقا فى الأسباب التى حدت بمحمد على باشا لغزو السودان فهى مبذولة فى جميع مراجع التاريخ، و لكنى أري من المهم الانتباه الى الاشارة التى ساقها د. القدال فى تحليله لغزو مصر السودان ( فى أن أحد أهم الأسباب فى غزو السودان هو تمدد و نمو الرأسمالية فى تلك الحقبة و البحث لها عن أسواق ما وراء البحار تحت دعاوى تحضير الشعوب الهمجية .نمو التطور و التوجه الرأسمالى انعكس بدوره على مصر فهى فى تلك الفترة كانت فى مرحلة مخاض تطور نمط الانتاج الاقطاعى تحت حكم المماليك الى نمط نظام رأسمالى و طموحات البرجوازية المصرية لتأمين مصالحها الاقتصادية و السياسية وفق التطور الجديد و البحث عن الموارد جنوبا....... )*1 ......أقول أن ذلك التوجه سيظل يتحكم فى نظرة السياسة المصرية تجاه السودان.
العنف وصمة لازمت الأستعمار التركى فى كل العالم ابان الخلافة العثمانية التركية، و يكفى ان المستعمر التركى قام بمجزرة فى " ارمينيا " أبادة فيها مليونى أرمنى ،اما الاستعمار التركى المصري فى السودان فتمثل قمة عنفه فى المجازر التى قام بها " الدفتردار " فى حملته الانتقامية بعد مقتل اسماعيل باشا على يد المك نمر.
سفك دماء السودانين لم يتوقف عند مجازر الدفترار بل تواصل من بعده و حكامه الشرهين مدفوعين برغبة الوالى فى مصر لجلب الرقيق،المال و الذهب مهما كلف ذلك،فى سبيل تنفيذ تلك السياسة قاموا بارتكاب الاباداة الجماعية،التعذيب و التصفيات.ابتكروا اصناف من التعذيب لم تخطر على بال أحد من الشعب السودانى مثل القتل غرقاً،حرقاً،بالخازوف أو بقذيفة المدفع.*2 التاريح السودانى لا زال يحمل فى ذاكرته اسماء الولاة السفاحين الذين ارتكبوا أبشع المجاذر مثل عثمان بك جركس،خورشيد باشا،أبوودان باشا الذى لقب بالجزار و اخيراً المنكلى باشا.
3
يؤرخ لبداية الثورة المهدية بمعركة الجزيرة ابا التى هزم فيها الأمام المهدي القوات المصرية التركية بقيادة أبو السعود العقاد. استمرت الثورة فى تقدمها حتى سقوط الخرطوم فى 26 يناير 1985 ، ولم يعش المهدى طويلا الذى توفاه الله فى الثانى و العشرين من يونيو 1985.
فى تقديرى ان العنف المهدوى بدأ ابان خطوات الثورة الأولى عندما أمر المهدى بقتل محمد سعيد باشا،علي بك شريف , أحمد بك دفع الله و محمد أغا يسين القادة الذين استسلموا بعد سقوط الابيض و ذلك بعد فترة طويلة من استسلامهم، ذاكرا أن ذلك تم بناءاً على حضرة أمرته بقتلهم*3 .قد يطلق البعض على ما اسميه عنفاً.... هى خطوات ضرورية لتأمين الثورة الفتية فى تلك الفترة المبكرة ،لكن السؤال الذى يرد الى الذهن مباشرة......هل لم تكن هنالك طرق أخري لتأمين الثورة دون اللجوء الى قتل الأسرى ؟ !
تولى الحكم من بعده الخليفة عبدالله التعايشى ،وواجه الخليفة منذ بداية حكمه معارضة كبيرة وواسعة. لجأ الخليفة فى سبيل توطيد حكمه لاستخدم كثيرأً من العنف و يبدوا أن جرثومة العنف التركى قد انتقلت بالتدرج للحكم الوطنى.
يجدر بنا قبل الاستطراد فى استعراض مراحل حكم الخليفة أن نذكر أن الثورة المهدية قد قامت على منهج دينى و ايديولجى،حتى فى ذلك كانت تعتمد على مصدرين فقط هما أقوال الامام المهدى و منشوراته و اوامره و من بعده الخليفة عبدالله منشوراته واوامره.....كانت دولة شموليه دينية.
العنف والتصفيات فى عهد الخليفة عبدالله التعايشى
اتناول عنف الخليفة عبدالله فى الفترة الثانية من عصر المهدية فى سياقه الزمنى و التاريخى دون اسقاط حيثيات الواقع الراهن عليه،بمعنى آخر دون اللجوء الى محاكمته.عنف الخليفة ارتبط بشكل جدلى بالمعارضة ضد نظامه و سلطته،بعض منها انتقلت جرثومته من عهد التركية، و الآخر برز عند انتقال السلطة للخليفة بعد موت المهدى.
معارضة الخليفة تمثلت فى أربع محاور:
الأول،معارضة الأشراف أهل المهدي ضد حكم الخليفة انطلاقا من انهم أكثرحقاً فى خلافة المهدى بحكم القرابة مع ميول قبلية و جهوية تحولت فى النهاية الى صراع بين معسكرين أولاد البلد و اولاد العرب * منصور خالد+القدال* 4
الثانى، مركزية الدولة و هيمنة التعايشه على مقاليد الامور تسببت فى نفور و معارضة كثير من زعماء القبائل اللذين تعودوا على الاستقلال و النفور من المركزية القابضة.
الثالث، المهديون الجدد و هم عدد من الأشخاص ادعي النبوة و مستفيدين من تجربة المهدى فى استخدام الدين للاستقطاب كوسيلة للثورة للوصول للسلطة.
الرابع،معارضة تضررت مصالحها من هزيمة النظام السابق المتمثلة فى المصالح الاقتصادية و المزايا الاجتماعية و التى تجسدت كالخلايا النائمة داخل النظام، مثال و ليس على سبيل الحصر ( الكبابيش- العبابدة- الشايقية ).
رد فعل الخليفة تجاه المعارضة
يقول " ميكافيلي " فى كتابه الأمير ( اذا أردت أن تريح نفسك من رجل فاعمد الى اثنين
1- أن تتملقه و تحسن اليه
2- أن تخمد انفاسه و تنتهى من أمره .* 5
يقول أيضاً
( ان الحرب والسياسة توأمان،من يريد ان يفوز فى الاولى لا بد ان يفوز فى الثانية،و ان تاجيل الحرب ربما يفيد العدو فيستعد )*6
كأنما قرأ الخليفه ما كتبه ميكافيلى فقد مارس عنفاً منفلتا ضد معارضيه لم ينج منه حتى بعض من أفراد قبيلته من الذين رفضوا أمره بالهجرة الى البقعة المباركه ( أم درمان ).
بعد القضاء على معارضة الاشراف تحت الراية الحمراء بقيادة الخليفة شريف داخل عاصمة الدولة الفتيه، فقد التفت الى المعارضة المتنامية خارج امدرمان، فقام باعتقال الغزالى أحمد حواف و هوأحد زعماءالتعايشه عند رفضه الهجرة الى امدرمان،هزم و قتل امير دافور يوسف بواسطة قائدة عثمان أدم ثم بث الفرقة وسط المسيرية حتى أضعفهم و بتلك الخطوات المدروسة المنظمه فقد أحكم قبضته على الغرب.
قضى فى شرق السودان علي المعارضة المتمثلة فى قبيلة الشكرية و الضبانية بعد ان قام باعتقال زعمائهم عوض الكريم أبوسن و محمود عيسى زايد و ايداعهم سجن " الساير ".
أما قبائل وسط السودان العبابدة، البطاحين " ود جار النبى "،رفاعة الهوى " المرضى أبوروف " فقد نكل بهم و قتل زعمائهم فاخضعهم اخضاعاً كاملاً.
تلك القسوة و العنف الذى واجه به الخليفة المعارضة أجبرها على الخضوع و الاستسلام لكن من جانب آخري فان تلك الحروب العنيفة التى شنها ضد معارضيه أدت الى ضعضعة و اضعاف النظام.
المراجع
1- محمد سعيد القدال - تاريخ السودان الحديث 1820 – 1955
2- محمد عبد الخالق – سيرة الاعدام السياسى فى السودان 1821 – 1898
3- جوزيف أورفالدر – عشرة سنوات فى سجون المهدية – ترجمة أحمد الضو.
د أحمد أبراهيم أبوشوك – مذكرات يوسف ميخائيل – التركية و المهدية و الحكم الثنائي- طبعة 2004 ص 95 .
4- د محمد سعيد القدال – فى كتابه تاريخ السودان الحديث يقول ( و للصراع حول السلطة جذور عميقة،انه الصراع بين القبائل الرعوية " اولاد العرب – ناس الغرب " التى حملت عبء القتال فى وقت بدأت تخرج فيه من دائرة النشاط الرعوى و أخذت تتجه الى السهول الوسطى من جانب،
و من الجانب الآخر قبائل وسط السودان " أولاد البلد- ناس البحر " الزراعية المستقرة التى تتمتع بقدر من الوعى الاجتماعى القومى،مما جعلها أكثر تأهيلا لقيادة المجتمع و تسيير دفة الحكم و كان لها دورها فى انتصارات الثورة عسكريى،اداريا و فنيا ) ص 234
الأقواس الصغيرة من عندى لمزيد من التوضيح
5- ميكافيلى – كتاب الأمير – ترجمة محمد لطفى
6- نفس المصدر السابق

تعليقات