اصطیاد الشیطان !
- Adnan Zahir
- 2 يناير 2021
- 4 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 20 نوفمبر 2025
”الراس“ یقبع على الشاطئ عند مفترق و لقاء النیلین،الأزرق و الأبیض. الزمن دمیرة،ذلك یعنى عز سطوة
النیل الازرق،جموحه و طغیانه مرت بذھنى خاطرة و أنا أمسح بنظرى المیاه المرتفعة “ النیل لا یھرم “ فھو
یتجدد كل عام عندما تسرى المیاه البكر فى عروقھ فیعود الى الشباب من جدید.
یا لجمال تلك الخاطرة البسیطة التى لم أكتشفھا من قبل طیلة نصف قرن وانا اجاور النیل، سابحا فى میاھھ أو
صائدا لسمكھ.قطع تفكیرى المنھمر كضوء الشمس صوت “ دقش “ قائلا بمشاكستھ التى لا تنتھى.
( بقیت تعرف تصید و له لسه كیشه )؟
انتبھت لوجوده،كان جالسا بقربى یحاول اصلاح خیط صیده المنسحب بسرعة مع قوة التیار.دقش صدیقى لم
یتغیر منذ ھجرتى الطویلة،ھو یشابه الى حد كبیر قطتى المدللة فى المنزل التى تحاول كل الوقت جذب
الأنتباه الیھا،عندما تھملھا للحظات و لا تعیرھا انتباھا تبدأ فى المواء .
فى حالة صدیقى دقش الیوم، ھنالك اختلاف بسیط فنحن دوما منذ الصغر فى منافسة على صید السمك فى
رحلاتنا المتعددة ( من منا الأكثر براعة،الاكثر صیدا للسمك و معرفة بعاداته و مضاربه )
ردى علیھ جاء متماوتا و لیس حاسما كعادتى، فقد كنت متشاغلا بتطویر فكرة ( النیل و شبابه الازلى ) لذلك
قلت مستعجلا ( یا زول أھلنا بقولو الما بتلحقو جدعو ) !
لم یصمت دقش بل قال متحدیا
( انت قبضت قبل كده شیطان )؟
“ استغفرت “ و انا استمع لسؤاله و مسترجعا لحدیث عمرو بن ھشام “ أبو جھل “
( تنازعنا نحن و عبد مناف الشرف،أطعموا فاطعمنا،وحملو فحملنا،وأعطوا فاعطینا،حتى اذا تحاثینا على
الركب،كفرسى رھان،قالوا منا نبى یأتیه الوحى من السماء،فمتى ندرك ھذه؟والله لا نؤمن أبدا و لا نصدقه )!
متصنعا عدم السماع رددت ( قلت شنو )؟
واصل دقش حدیثه باصرار ( كلامى سامعو و فایت أضانك، حصل انت اصطدت شیطان )؟
بدأ صوته جادا.
قلت ( جابت لیھا شیاطین كمان.....ھا ھا ھا ده حصل بتین )؟
( رمضان الفات ).
واصلت تداعیاتى ( حبوبتى قالت الشیاطین بتقید فى رمضان !...فكیف لھذا الدجال دقش الادعاء باصطیاد
شیطان فى رمضان مع بیاض دقنه التى تغطى نصف وجھھ الاسفل )!
أعجبت بعبثیة القصة فقلت مجاریا لھ ( كمل كلامك )........
الراس فى ھذا الموسم من السنة یكون عامرا بالصیادین،ففى موسم الدمیرة یكثر فیھ السمك من الاحجام
الكبیرة( الترس ،البیاض،الكبروس و حتى العجل ).....من ھؤلاء الصایدین من یصطاد سمكة كبیرة تظل
حدیث الراس و منتدیات صید السمك المنتشرة على شواطئ النیل لفترات طویلة.
صیادى الراس من مختلف المھن و الاعمار أھمھم حارس حدیقة المقرن و قد تبوأ ذلك المركز باعتباره مالك
“ العشة “ التى یحتمى بھا الصیادون من أشعة الشمس المحرقة و یحفظون فیھا أدوات صیدھم. العشه ھى
كوخ صغیر لسكنه و لكنھا ایضا مكان لاستضافة صائدى أسماك الرأس المستدیمین و المحترفین.
الصائدون فیھم من یعمل فى مؤسسات الحكومة یأتون الى الصید بعد دوام عملھم و فیھم من یزاول الاعمال
الحرة،بائعو خضار،نجارون،سائقو عربات أجرة،موظفون،سماسرة ،سائقو عربات حكومة و محالون
الصالح العام!.....جزء من السمك الذى یتم صیده یطبخ فى العشة كوجبة للصائدین عند الراحة و الأستجمام
من عناء الصید ، الباقى یحمل للأسر المتلھفة لوجبة سمك طازج.
اثناء وجبات الطعام العامرة یتم تبادل الاحادیث الفكھة و التى فى مجملھا لا تخرج عن الصید.حكاوى
الصیادون عن صید السمك تطغى علیھا المبالغة و ھم یحبون التھویل فى قصصھم و احیانا الكذب غیر
المضر لذلك تعلمت أن أصدق نصف ما یقومون بحكیه.
واصل دقش ( الوقت كان رمضان،الیوم من تلك الأیام التى لا تنسى،حرارة الشمس كانت تشوى الجلد و
تحیل ساعات یوم الصائم الى 24 ساعة. “ تكلت “ العصا بحجر كبیر و ذھبت لتقضیة صلاة العصر.عند
عودتى لم أجد العصا،بحثت عنھا فوجدتھا عند حافة " القیفة "،عند جذبى للعصا عرفت أن ھنالك سمكة كبیرة
عالقة بالصنارة.حاولت جذبھا بقوة فلم استطع و أحسست كأن الخیط قد عقد بقوة فى صخرة أو جذع شجرة
فى القاع.
نادیت على بعض صائدى الراس للمشورة و المساعدة،أخبرونى أن الشیطان قد علق بصنارتى فھذا المكان
منطقة نفوذه كما أن ذلك اسلوبه و طریقته، فھو حین یلتھم الطعم و تمسك الصنارة فى فمه یدخل الى سردایب
و جحور واسعة و عمیقة قرب الراس و یحتمى بھا.اذا حاولت جذب الخیط سوف یُقطع و یھرب ، قد فعل
ذلك عشرات المرات مع عدد من الصائدین،لمكر ھذه السمكة و قوتھا أطلقنا علیھا أسم الشیطان )!
أحس دقش باھتمامى و تلھفى لمعرفة نھایة القصة فبدأ فى ممارسة سادیته القدیمة،توقف عن الحكى.وضع “
“ سفة صعوط “ ضخمة تحت شفته العلیا و تشاغل باصلاح الخیط.وددت فى تلك اللحظة بقر بطنه المكورة
و البارزة من أسفل “ الفنلة “ الصغیرة التى یرتدیھا و التى لا تناسب حجمه، لكنى بدلا عن ذلك تصنعت عدم
الأھتمام و اللامبالاة حتى یكمل حكیه.
( بدأت فى جذب الخیط،عندما أحس بأنه یقاوم أقوم برخى الخیط مرة أخرى،كنت أحاول أن أشربو مویه
عندما یفتح فمه حتى تقل مقاومته.استمریت فى ذلك التكتیك و التكنیك حتى ضلمت الواطه.بعد ثلاث ساعات
طوال استطعت جذبه قرب القیفة.لم تكن معى أدوات لرفعه فتبرع ثلاث من الصیادین القیام بتلك المھمة
شرطا أن اعطیھم جزءا من سعر بیعه،فوافقت.استطاعو بعد جھد اخراج السمكة الى الشاطئ و قد كانت
شیطان بحق. تلك السمكة لم أرى مثلھا من قبل فقد كانت ھجین من ( كبروس و بیاض و عجل )،طولھا یبلغ
المترین ووزنھا أكثر من مئتى كیلو.حللنا صیامنا ذلك الیوم الساعة التاسعة لیلا بمویة و بلحات من عشة
الحارس،مشینا السوق الشعبى و بعناھو بقروش كویسة )
توقف قلیلا ثم واصل ( لكننى لا زلت أشعر بالحزن و الأسف لبیعه،فقد كنت أرید أخذه الى البیت لتراھو
زوجتى و أطفالى،اتذوق لحمه و لیعرف اطفالى قیمة ھوایتى و ذھابى المتكرر للصید .یمكن أن تسأل صائدى
الراس عن ھذه القصة ).
ظل دقش منتظرا رد فعلى،بالطبع قد صدقته،فبرغم مناكفاتنا فھو صیاد بارع دون شك.نظرت بعیدا الى
ادرمان فى الجانب الآخر من الشاطئ،مسجد النیلین ثم الى المیاه الفائرة حین تلتقى فى الافق البعید مع
السماء. نھضت ببطء من مقعد الصید،فردت أذرعى واسعا ثم صحت بصوت عالى
( شیطانى لا زال مطلوق السراح )!
جحظت عینا دقش و فغر فاه مندھشأ.

تعليقات