" أبو كوكه " المحارب المجهول !
- Adnan Zahir
- 14 سبتمبر 2020
- 3 دقيقة قراءة
صدى المدينه
جلست على الأرض وسط الزقاق الثعبانى تبكى بحرقة و هى تكيل التراب الممزوج بماء المطر على رأسها ، نائحة بكلمات تدمى القلوب و تجبر الدموع العصية على الهطول.
(قوم يا العجب الكاتلت التليان فى كرن و القلابات )....( قوم يا زين الرجال يا مغطى عري المحتاجات ).....الزمن كان أربعينات القرن الماضى و السوق فى ذلك الحى بقهاويه المتناثرة و ابنيته المتهالكة كان يمثل مركز الكون عند ذلك القوم.
قال محدثى،...........كان يدعى " أ بو كوكه "1 كما يعرفه الناس، لأنهم لم يبذلوا جهدا لمعرفة اسمه الحقيقى.حمله للقب أبوكوكه يرجع لانتفاخ أسفل بطنه لأن أحدا لم يرى كوكته،فى ذلك الزمن .....اطلاق ذلك الوصف على شخص يعنى تقليلا له.
لا يعرف له أهلا و لا أصلا ،مربوع القامة لامع السواد مع شلوخ " مطارق " على كلتا خديه تلك الشلوخ2 التى يرسمها الجعلين تميزا لهم من باقى القبائل، و يبدو من ملامحه انه من غرب السودان و لكن لا يعرف أحد كيف أتت اليه تلك الشلوخ!!.....تفادى أن يقول انه من الرقيق المحرر أو الهارب من ذل العبودية.
كان يسكن فى قطية خلف السوق مباشرة من الناحية الجنوبية مواجهة لسوق السمك أو " الملجة " كما يسمونها، تسكن معه امرأة نحيفة عجفاء فاتحة اللون، بعض من ناس الحى يرجح أن أصولها ترجع لأقليم كردفان و البعض الآخر يقول ان بها عرقا من الشوام أو الحبش، كما لا يعرف أهل الحى هل هى زوجته أم عشيقته و يطلقون عليها " أم زمام " 3 توصيفا للزمام الذى كانت تضعه على أنفها المميز و الجميل..... و يملكان دابة لا هى بالحمار و لا بالحصان و لكنها أشبه بالبغل !!....اللافت لنظر الجميع و مثار دهشتهم ان أبو كوكه و أم زمام كانت تجمع بينهم ألفة و محبة كأنهما عاشقان !
حسب ما رشح فى الحى من معلومات... ان ابو كوكه كان محاربا عظيما ، حارب " التليان " أو الأيطاليين فى شرق السودان فى كرن و القلابات و نال أرفع الأوسمة لشجاعته و جسارته ، كما أن هنالك أغنيات كثيرة نظمت له من قبل البنات و الحكامات ، لكنها نسبت لغيره !!
يحفظ الناس على ظهر قلب برنامج " أبو كوكه " اليومى هو و زوجته أم زمام .كانا فى الصباح يذهبان الى " انداية " 4 سعدية صاحبة ادريس " الرباط " الذى كان يقطع الطريق ليلا للعابرين لخور أبو عنجة و يقوم بنهبهم. أنداية سعدية كانت تقع غرب السوق ، يجلسون بها حتى العصر ثم يعودون لقطيتهم.
عند العودة عصرا كان أبو كوكه يمتطى دابته كقائد جيش منتصر و هو فى أوج أبهته تزين صدره النياشين التى منحت له زمن الحرب ، و تقود الدابه من رسنها فى الأمام أم زمام.كانا يخترقان السوق فى أنفة و كبرياء كأن لا وجود للناس المتجمعين انتظار أوبتهم ....كان الطقس اليومى كسرا لرتابة الحياة فى ذلك الحى.
ذلك الصباح فى خريف ماهل وصلت مياه فيضان النيل أطراف الحى، مما دفع بالسلطات لتعين " سواري "5 لمنع الأطفال من السباحة خوف الغرق .هطل المطر بغزارة لم ترها المدينه منذ اعوام،كان مختلفا برعده و برقه الذى يعمى العيون و يسرع بدقات القلب.
رواد انداية سعدية كانوا يفضلون التبول أو " قطع الجمار " خارجها، على حائط قربها بالرغم من وجود مرحاض داخل الانداية ،بالطبع المريسة المترعة كانت تزيد من وتيرة التبول.خرج أبو كوكه كعادته للتبول بعد تجرعه لعدة " قرعات "6 من المريسة الدسمة،جلس تحت الحائط ....فجأة و بدون سابق انذار و مقدمات انهار الحائط على ابو كوكه..... مات فى لحظته.
جلست أم زمام أمام الجثمان المسجى و هى ترتجف من البكاء و الحسرة ( قوم يا سيد الرجال....قوم عليك الله ) و من ثم بلهجة آمرة مغيرة من نبرات صوتها ( قوم على حيلك يا ماقتلوك التليان .......قوم يالصنديد تقتلك " حيطة مايلة " ) 7 !!
لم يحزن احدا لموت ( أبوكوكه أو بكاء أم زمام ) ،كانت القصة تحكى فقط فى أوقات السمر ليلا ،للضحك و السخرية و جلب المتعة لسكان الحى...... كان المجتمع و الدولة لا زالا يمنحان أوراق الحرية 8 !!!
عدنان زاهر
3 سبتمبر 2020
1 – الكوكه نوع من التورم يحدث عندما تتجمع السوائل فى الغشاء المحيط بالخصيتين، يصبح مع مضى الزمن فى شكل كورة مستديرة أسفل الذكر،فى السودان يسخر من الشخص المصاب به.
2- خطوط مميزة على وجه الرجال و النساء.
3- نوع من الحلى تضعها النساء على الفم للزينة
4- مكان لشرب الخمور البلدية كالعرقى و المريسة بأنواعها،اقفلت تلك الاماكن بعد قوانين سبتمر 1983 .
5- هم قوة من البوليس يمتطون الأحصنة
6- اناء من الخشب يستخدم فى الانداية لشرب المريسة.
7- هو السور الموشك للسقوط بفعل المطر أو أى عوامل أخرى،فى السودان يستخدم كمثل للزول الهين أو التعبان قليل الحيلة.
8- صك تصدره السلطات القضائية تعنى ان حامله شخص حر و ليس مملوكا لشخص آخر.

لو سمحت الظروف والمعايش نطلب من الكاتب الكبير ان يتحفنا بمقال واحد علي الأقل شهرياً وله الاجر والثواب