top of page
بحث

ذكريات موغلة في القدم عن أيام الدراسة في ( الاتحاد السوفيتى ) !

  • Adnan Zahir
  • 29 ديسمبر 2025
  • 6 دقيقة قراءة

 

كنت أشاهد قبل يومين فيلما أخرجته إذاعة البى بي سي عن ( ستالين ) ، بالطبع لم تقصر الإذاعة الشهيرة عن ذكر أي مذمة يمكن أن تلحق به، و لكنها زادت عليها بكل ما يمكن ان يلحق بتلك السيرة من مسالب و مخازي.

يستاهل ستالين.... فهو لم يترك شيئا إنسانيا واحدا يحجب عنه الشجب و الشتيمة ، فحتى اسرته لم تسلم من آذاه ابتداءا من  (  زوجته الثانية نادجيدا مرورا بابنه ياكوف و انتهاءا بابنته  سفيتلانا التي هاجرت لأمريكا ) ، و يمكن وصفه دون مبالغة بانه تجسيد للانفلات المطلق، والتطبيق العشوائي الجامد للايدلوجيا التي افرقها من المحتوى الإنساني و لم يلتفت للواقع في ذلك الزمن، فأصبحت الشيوعية لديه وسيلة للتصفية و القمع مات جراءها آلاف الشيوعيين النبلاء و النقيين في صقيع سيبيريا.

ذكر ستالين استدعى الى ذهني قصص حدثت ابان دراستي هنالك في موسكو ( جامعة الصداقة )، كانت مخبأة في الذاكرة يبدو لي، لليوم المناسب. بالطبع لا اتكئ على مسألة العمر لأبرر لبعض المواقف اتخذتها في تلك الفترة من العمر بالرغم من أنى كنت صغيرا بحق و حقيقة، فقد ذهبت الى هنالك و عمرى لم يتجاوز الواحد و العشرين عاما ، لكنى أقول ان الايدلوجيا التي ينقصها اعمال الفكر يمكن لها و على الدوام ان تحجب البصر و البصيرة.

 في البداية أريد ذكر شيئين أولهما ان دراستي في روسيا كانت من أجمل الفترات في حياتي كما لم اشاهد شعبا طيبا و مضيافا و محبا لوطنه كالشعب الروسي و ذلك طيلة تنقلي في أرجاء الدنيا، كما لن يتأثر هذا الرأي باي نقد اسوقه للنظام الحاكم في تلك الفترة، و فعلا العلم ،  التجربة و الوعى الذى اكتسبته هنالك أنار طريقي و أنا أعمل الآن من اجل الشعب السوداني.

ثانيا ليس بالضرورة ان يكون سرد ما أريد حكيه و فق الترتيب أعلاه، فقد قصدت من هذه الكتابة... التداعي. سأتناول عدد من القصص أعتقد انها انعكاس للحياة في الاتحاد السوفيتي بعد ستالين، أي فترة خروتشوف و برجنيف التي عاصرت جزء منها و تشمل تلك الحكاوى ما يلى :

- ( كابوستن )

- ود الجنرال

- زوجة عضو اللجنة المركزية

- المرأة ( الدرويشية )

 

1

ألكسندر أو ساشا


درجة السلطات الجامعية في الداخليات الروسية ان تسكن في الغرفة المكونة لشخصين طالب أجنبى و الآخر روسي، و الهدف من ذلك ان يتعلم الأجنبي اللغة الروسية في وقت وجيز. وفقا لرأى فقد كانت التجربة ناجحة جدا فهي اضافة الى تعلم اللغة، تساعد على فهم المجتمع الروسي و فهم عاداته و حياته. في العادة يكون الطالب الروسي في منظمة شباب ( الكمسمول - الشباب ) و هي مرحلة يتأهل بعدها المنتسب ليكون عضوا في الحزب الشيوعي السوفيتي.

عندما كنت في السنة الأولى ( قانون دولي )، سكن معي طالب روسي يدعى الكسندر و اسم التصغير أو الدلع بالروسي ( ساشا )، و كان شخصا لطيفا و مهذبا قدم الى كثير من المساعدات في اللغة الروسية.

في احد الأيام ايقظني صديقي الروسي مبكرا ثم مد الئ بورقات لأقوم بقراءتهم فورا و ارجاعهم له. استغربت طبعا لإيقاظي المبكر و العجلة في القراءة، بدأت في تصفح الورقات التي كانت في شكل مجلة صغيرة يبدوا انها تصدر دوريا.

كانت المجلة تتحدث عن الفساد المستشري في الاتحاد السوفيتي و المتغلغل جذوره في كل الجبهات. صقعت للحظات و أنا أعلم أن تلك الوريقات كافيه الى ارساله الى صقيع سيبيريا و إرجاعي الفوري الى السودان، صديقي الروسي كان شيوعيا كما يعلم توجهي السياسي و الفكري لذلك مدنى بالورقة.

كنت و صديقي نتناقش فيما يجرى في الاتحاد السوفيتي لكن كنت اتحاشى نقد النظام ، كما كنت أظن أن ذلك النقد هو جحود لما ظل يقدمه النظام لإسعاد المواطن السوفيتي. أرجعت اليه المجلة الصغيرة دون أن أقول شيئا ، لم يناقشني لعله استشفى من تعبيرات وجهى انى غير متفق عما كتب.

 أخذ أوراقه و ذهب بالطبع لم يطلب منى ان يبقى الأمر طي الكتمان، فهو يعلم انى لم اتحدث في الأمر مع أي شخص كان، و ها انا اكتبه بعد نصف قرن من الزمان أو بكلمات أخرى الزمن التي تفرج فيه الدول عن الوثائق السرية !

 أمعن الفكر و أقول لنفسي ان تلك الواقعة حدثت قبل  ( بريسترويكا ) و ( غلاسنوست ) ميخائيل غورباتشوف .... ثم ينبثق من ذهني سؤالا حائرا و مشروعا.......ماذا لو سُمع رأى اولئك الشباب و في ذلك الزمن ؟  هل كان من الممكن ان يكون الأمر مختلفا الآن ؟.... و بدون ( بريستوريكا ) غورباتشوف ؟!!

 

2

 

كابوستن


 رجعت فرحا الى غرفتي و أنا أحمل دبلوم تخرجي و لاستعد لحفلة المساء الصاخبة بمناسبة التخرج. وجدت ( كابوستن ) الذى تخرج و يسكن معي جالسا في الغرفة حزينا و مستغرقا في تفكير عميق. كابوستن لم يكن من سكان موسكو بل من احدى المدن التي تقع في محيطها، و اهله مزارعين بسطاء و قد كان شيوعيا عظيما متواضع و سمح العشرة.

 عندما يحضر عقب إجازة العام الدراسي كان على الدوام يحمل معه كثير من المواد الغذائية التي تنفعنا وقت الشدة و( مجاعات ) الطلبة  المتكررة و خاصة الجبن و اللحم المقدد، كما كانت والدته ترسل لي دوما هدية معتبره، لذى كنت انتظر أوبته من الاجازة على أحر من الجمر و قد اصبح من أعز أصدقائي الروس الذين عرفتهم او سكنت معهم.

سألته قلقا و منزعجا.... لماذا هو حزين ؟!

أجابني لقد جرى تعيني في ( الكى جي بي ) و مد لي خطاب تعينه أو أوامر الحاقه بذلك الجهاز، كنت أعلم ان كثيرين يريدون الحصول على تلك الوظيفة التي تعطيك سلطات لا حد لها ، و هو الانضمام الى أخطر جهاز أمنى يماثل جهاز المخابرات الأمريكي ال (سي أي أيه )   او جهاز ( ام آى 6    )  الإنجليزي الذى يسمى حاليا ( ألاس آى أس ) . كنت أعلم ان الطلبة الشيوعيون الروس يتم تعينهم من قبل الدولة في الوظائف عقب تخرجهم مباشرة، و يتم ذلك ليس بناء على رغبتهم و في بعض الأحيان حتى دون تخصصهم !

قلت له لماذا لا تعمل في هذا الجهاز أجابني دون ان يزيد حرفا ( انه لا يريد ذلك ) !!!

قلت له أرفض...... فرد علئ انه لا يستطيع الرفض ،و اذا فعل ذلك فلا مستقبل له في هذه البلاد !

ودعته و أنا أغادر عائدا الى أرض الوطن و لا أدرى حتى الآن ماذا حدث ل ( كابوستن ) صديقي !

 

 

 

3

المرأة ( الدرويشية ) !


ابتداءا أقول ان الاسم مشتق من اسم الشاعر الفلسطيني العظيم محمود درويش ، و قد التقيت بتلك المرأة التي اطلقت عليها اسم ( الدرويشية ) و انا في طريق عودتي من زيارة شقيقتي الراحلة خالدة زاهرالموجودة في تشكوسلوفاكيا ذلك الوقت، و حدث ذلك ابان دراستي في موسكو.

استغلت تلك المرأة القطار من محطة في منتصف الطريق الذى يمر من خلال أوكرانيا و بمنطقة الدونباس، التي لم اشاهد منطقة في جمالها الى في كندا.  كنا في عربة القطار لوحدنا و كعادة المسافرين بدانا في التعارف و الحديث لتزجية الوقت وتفادى ساعات السفر الطويلة و المملة ، ثم حدثت المعرفة الحقيقية عندما عرفت انى اتحدث العربية.

 ذكرت انها تعلمت اللغة العربية في احدى معاهد موسكو ثم ابتعثت لتجويدها في سوريا، و كنت أعرف ان الدولة تقوم بإرسال الطلبة المتفوقين الذين يجيدون اللغات الى بعض الدول العربية ليتحدثون بلهجتها و لكى يلحقوا في المستقبل بالعمل الدبلوماسي.

سألتني فجأة، بعربية واضحة المقاطع و لكن بلهجة سورية ( هل تعرف محمود درويش ) ؟!

اجبتها بلهجة سودانية قحة ( بالحيل ) ، هذا (  رفيقي و حبيبي الذى لا تفارقني كتبه ) و لحسن الحظ كان معي احد دواوينه ( مديح الظل العالي )، أخرجت الكتاب و مددتها له ، تلقفته بشغف... تصفحته ثم أرجعته لي.  بدأت في القاء جزء من قصيدة درويش الملحمية ( مديح الظل العالي )  ومن رأسها دون الرجوع للكتاب ! و بلهجة سورية و بإلقاء يشابه  و يتطابق مع درويش

( يا ظلنا العالي على كل ما في الكتاب !

من يشبه الظل العالي ؟ قلت: أنا في بعض أحياني. قال صفنى. قلت: انت ما ليس فينا

قال: أوضح. قلت: أنت آخر ما ننسى من الأشياء اذا نسينا. قال: ماذا ترى فيء ؟ قلت : رؤيتي تبدا من حيث تنتهى الرؤيا.

قال: هل أنت راضي عنى ؟ قلت : الطيف يرضى في المساء و يزعج البصر.

قال: صف الشمس. قلت: نار تساطع في دمى لكنها لا تقتلني قال :

حسبي صمتك اليوم فقد قلت كثيرا....و لم تقل شيئا سوى انك القدر العاري من صفة العبد للمخزون في أعماقنا من سرنا.

فامض يا ظلنا العالي ! )

ثم رددت بعض الشطرات المتفرقة من القصيدة :

( قلنا لبيروت القصيدة كلها، قلنا لمنتصف النهار، بيروت قلعتنا، بيروت دمعتنا ، و مفتاح لهذا البحر )

( حضر حصارك لا مفر

سقطت ذراعك فالتقطها و أضرب عدوك لا مفر )

 

طربت حتى سالت دموعي مع دموعها المنهمرة كدموع درويش.....قرات ثم قرأت ....ثم توقت فجأة و ذكرت لي ان محطتها القادمة ....نزلت من القطار و بعد أن ودعتني و هي تمسح في دموعها و غادرت...... تذكرت انى لم اسالها عن اسمها !!


 

عدنان زاهر



11 ديسمبر 2025  

أواصل.......

 

4

 

   

 

 

 

 
 
 

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل
قراءة في كتابىّ الرئيس المصري(مذكرات محمد نجيب رئيس الجمهورية المصرية )و ( كلمتي للتاريخ )!

الجزء الثاني 1 في هذا الجزء الثاني من تقديم كتابي رئيس مصر السابق محمد نجيب ( كنت رئيس لمصر ) و ( كلمتي للتاريخ )، أحاول سبر العلاقة المعقدة بين الشعب السوداني و المصري و ذلك من خلال مفاهيم القيادة

 
 
 
امدرمان لم تعد بلد " الأمان " !

الوقائع المتبادلة في الوسائط الاجتماعية تقول ، ان حافلة متجهة من شمال امدرمان الى الخرطوم بشارع " بوابة عبد القيوم " بالموردة ، و كعادة السودانيين عندما يتجمعون في المواصلات يبدأون في مناقشة المشاكل ا

 
 
 
مضيق هرمز بين مطرقة السياسة و سندان القانون !

1 مداخلة متعددة الجوانب الأزمة الحالية التي تجتاح العالم حول مضيق ( هرمز ) ، هي مثال صارخ على تداخل السياسة و القانون الدولي كما تكشف الموقف المتناقض من القانون الدولي، و محاولات اخضاعه للمصالح الضيقة

 
 
 

تعليقات


bottom of page