ثلاثة وجوه من المدينة !
الغرقان
"لله طرائق بعدد أنفاس الخلائق "
قول سائر
رغم ملابسه المهلهلة، المتسخة و شعر رأسه المرسل بلا نظام....رجليه العاريتين، فقد كان يشع من وجهه بهاء غامض. يهيم صباحا في طرقات المدينة المتداخلة بلا هدف لا يأكل و لا يشرب أو يستحم، عندما يخرم الى " التمباك " الذى يدمنه، يقف صامتا أمام أي مجموعة يعرفها منذ قديم الزمان....يفهمون ما يريد يقومون بشراء التمباك له أو يعطونه بعض من النقود لشرائه. كانت نفس تلك المجموعات عندما تجده هائما و الارهاق، التعب و الجوع باديان عليه يأخذونه الى منازلهم ،يطعمونه ويغسلون ملابسه ....يرتاح معهم ليوم أو يومين ثم يخرج من جديد للطرقات.
تتعدد الروايات حول حاله.......الشائع و الأكثر انتشارا منها، انه كان متعلما، يشغل وظيفة محترمة و لكنه كان يمارس السياسة في الخفاء مؤيدا لحزب كان يعارض الديكتاتوريات العسكرية.
يقول البعض تم اعتقاله و تعذيبه ببشاعة في واحد من تلك الأنظمة، بعد خروجه من تلك التجربة ترك عمله و أصبح حوارا للشيخ " المكرب " في الجزيرة المروية، بعدها أصبح هائما في طرقات المدينة المتشعبة. حتى هذه الرواية " المسبكة " و المحكمة الاخراج، البعض يقول انها حبكت لتناسب البهاء الغامض الذى يشع من وجهه و حضوره الطاغي عندما يجوب الطرقات.
شيخ صديق " المعين " من قبل السلطات لتوثيق الحياة في الحى، والحفاظ على نقاء الاسلام و معرفة ما تكنه الضمائر يقول ( الزول الطاشى ده لا كويس و لا حاجة......جات مرة " كشة " لبيت ست العرقي بتاع " رابحة " النوباوية، و لقوهوا راقد معاها.....انتشر الخبر و علمت زوجته بذلك ، قامت شالت اولادها و مشت بيت أبوها.....الفضيحة " لحست " عقلوا و من اليوم داك طاشى حتى الآن )!!!. ناس الحى يقولون ان شيخ صديق كان مصاحب " جميلة " بت رابحة ست العرقي !!.
في احدى جلساتنا العصرية الماهلة و نحن نتناول اخبار السياسة، والمدينة و الحى بالنقاش، شاهدناهوا يمشى في الطريق متجها الي مجموعة جلستنا، وقف أمامنا بطلعته البهية الغامضة و حضوره الطاغي دون أن ينبس بكلمة. كنا ملمين بقصصه لكن لم يكن من بيننا من يستخدم " التمباك "......قام صاحب المنزل الذى نجلس أمامه بإخراج نقود ووضعها برفق على جيب جلبابه المهلهل.......قال الواقف أمامنا بصوت خافض ( قالوا الكريم فيهو شيتن من الله )!
استدار و مضى في حال سبيله.
القبيح
( لكل أمة وثن و صنم هذه الأمة الدرهم و الدينار )
الحسن البصري
كان نظيفا و أنيقا بشكل مريب، يكثر من الحضور في المجتمعات " اللامة " مشاركا دوما للحديث بصوت ناعم النبرات كملمس جسد حية، و رغم ذلك الود " الحاتمي " لم يكن احدا يطيق وجوده !
ذلك التقييم الجمعي الصامت لشخصه المتفق عليه علنا لم يتم في اجتماع....لكن التجارب المشتركة غير المحكية عن سلوكه كانت هي السبب. كان يعمل كاتب "عرضحالات " في الأراضي قرب مباني المحكمة الشرعية، يجلس تحت شجرة " لبخ " ظليلة جعلها مكتبا له؛ ينسخ تحتها عرائضه لذوى الحاجة من زوار المحكمة الشرعية و تسجيلات الأراضي مقابل رسوم زهيدة.
يقول المداومون في الزيارة لتلك الأماكن من شاهدي الزور، سماسرة الأراضي و " حلالي العقد ب " اللفة "، انه من أحسن الأشخاص الذين يمكن التعامل معهم، فهو قادر على فعل أي شيء. كان بإمكانه التزوير، تدريب شاهدي الزور على الشهادة ، " فركشة " الزيجات و حبك القضايا للمحتالين لابتزاز الآخرين......اسمه الحقيقي " تنقو " و لكن الساير عليه هو " تنقو بتاع كلو "، صار ذلك هو الاسم الشرعي له.
" تنقو بتاع كلو " لم يكن حريصا على اخفاء فعائله، بل احيانا يقوم بحكيها على سبيل التباهي، و استعراض العضلات و اظهار الذكاء.
( كانت تحتضر....تركناها و اخذنا أنا و زوجتي نبحث عن دهبها المخبأ، كنا نعلم انها خبأته في مكان ما في الغرفة. اخذنا نحفر أرضية الغرفة المغطية بالرمل و في أركانها ، فجأة انتبهنا لوجودها نظرنا اليها......... " جرت فينا نور طوييل" )، قمت بتغطية وجهها بثوبها الملتف حول جسدها.
بعد عثورنا على الذهب " ضربنا " تلفونات لباقي الأهل لإخبارهم بموتها كان " تنقو " يحكى عن لحظات موت شقيقته !!.
الحالم
( الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر " تفسر " فاذا عبرت " فسرت " وقعت " تحققت " )
حديث نبوي شريف
كنا في منتصف النيل و " القارب " الصاهل، يرفع مقدمته كحصان أصيل و هو يشق الماء عكس التيار و نحن في طريقنا للصيد، و " ابا البشر " صديقي يمسك بالدفة في مقدمة القارب، شارد الذهن ينظر في الأفق البعيد و هو صامت....بدون مقدمات وجه حديثه الئ :
- انت عارف يا " مواطن " أنا نفسى في شنو ؟
" أبا البشر " درج على مناداتي باسم المواطن، وقد نبهته مرارا و تكرارا أنى لا أحب تلك المناداة، و عندما لم يتوقف قبلت على مضض. رددت في تكاسل و ضجر...
- نفسك في شنو ؟!
- أحلم أن أقبض سمكة " تونا " كبيرة الحجم كالتي اصطادها ذلك الهرم في فيلم " العجوز و البحر "...........ثم مضيفا هل تتذكر ذلك الفيلم الذى مثله " سبنسر تريسي " لقصة الكاتب الأمريكي " أرنست هيمنجواي " ؟
- نعم أتذكر، بعدين لا توجد سمك تونا في نهر النيل و لا حتى سمكة في حجم ضخامتها.....سمك " العجل " النيلي الضخم أصغر منها.....بالله ما تجيب لينا " الفقر " و أنحنا لسه ما وصلنا " حتة " الصيد.
سكت محبطا و غاضبا في آن واحد.
التفاؤل و التشاؤم جزء من ثقافة الصيد لا فرق بين متعلم و جاهل لأن تجاهل عادات الصيد يجلب النحس كما يقول قدماء الصيادين !
وصلنا الجزيرة التي نصطاد على شاطئها، قمنا بأنزال معداتنا و بدأنا بالصيد. ظللننا لساعات طوال دون أن نظفر بصيد أي سمكة و الشمس تميل نحو الغرب في اصرار عجيب.
إنتفض فجأة " ابا البشر " و هو يصيح ومقاوما السمكة التي علقت بصنارته...تعاونت معه لمدة ساعتين و نحن نقاوم حتى أخرجنا السمكة الى البر، كانت " قرموطا " ضخما بحجم بقرة. احبط كل منا....لم نكن نستطيع حمله على القارب حتى مكان سكننا لضخامته، اعطيناه لأحد الصيادين المتواجدين في الجزيرة و أبحرنا. صديقي أبا البشر لا زال يحلم باصطياد سمكة " تونه " و من نهر النيل !!.
عدنان زاهر
يناير 2023

تعليقات